السؤال الثالث : سلّمنا أن الآن موجود في اعيان. فلم قلتم : «إن عدمه. إما أن يكون دفعة أو على التدريج؟» بل هاهنا قسم ثالث ، وهو أن يكون عدمه حاصلا في جميع الزمان الذي بعده. ولا يقال : ليس كلامنا في عدم الآن ، بل في أول عدم الآن. ومعلوم أن أول عدم الآن ، يمتنع أن يكون حاصلا في جميع الزمان الذي بعده. بل لا بد وأن يكون أول ذلك العدم [واقعا (١)] إما دفعة ، وإما على التدريج. لأنا نقول : هذا التقسيم إنما يصح لو كان لعدمه أول ، يكون هو فيه معدوما ، وهذا ممنوع عندنا. بل عندنا : ظرف زمان عدمه : هو الآن الذي هو غير (٢) آن وجوده. فأما فرض آن آخر ، عقيب وجوده ، حتى يكون ظرفا لزمان عدمه. فهذا إنما يصح (٣) لو ثبت القول بجواز تتالي الآنات. وذلك عين المطلوب.
هذا غاية ما يمكن أن يقال من جانبهم. والله أعلم.
والجواب : قوله : «الآن له وجود في الذهن ، وذلك يكفي في صدق قولنا : وجد الآن ، وفي صدق قولنا : وجد الشيء في الآن» قلنا : ما الذي أردت بقولك : «وجد الآن في الذهن؟» إن عنيت به [أنه (٤)] وجد العلم به في الذهن. فهذا حق. وإن عنيت [به (٥)] أن حضور الشيء في نفسه ، لا حصول له إلا في الذهن. فهذا جهل عظيم. لأنه لو عدمت الأذهان والأفهام ، فإن وجود الأشياء وحضورها في أنفسها : أمر حاصل متحقق. وأما حديث الوجوب والإمكان والامتناع ، فهو تشكيك في البديهيات. قوله : «الباري موجود ، وليس في الآن. وكذلك الآن موجود ، وليس في الآن» قلنا : نحن ندرك التفرقة بين ما هو موجود على سبيل الحقيقة ، وبين الذي كان موجودا ، أو سيصير موجودا. ولا شك أن الباري تعالى موجود على سبيل
__________________
(١) من (م).
(٢) عين وجوده (ط).
(٣) يعقل (م).
(٤) من (م).
(٥) من (م).
![المطالب العالية من العلم الإلهي [ ج ٦ ] المطالب العالية من العلم الإلهي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3635_almatalib-alalia-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
