عبد الله كان يصلّي بعد العشاء الآخرة وردا إلى قريب ثلث اللّيل ، فكان ليلة يعاتب (١) ربّه ـ عزوجل ـ ويقول : يا ربّ الناس ما يأتوني إلّا لأجلك ، وأنا قد سألتك في المرأة الفلانية والرجل الفلانيّ أن تقضي حاجته ، وما قضيتها ، فهكذا يكون؟ وكان يتمثّل بهذه الأبيات كثيرا ويبكي :
|
شفيعي إليكم طول شوقي إليكم |
|
وكلّ كريم للشّفيع قبول |
|
وعذري إليكم أنّني في هواكم |
|
أسير ومأسور الغرام ذليل |
|
فإن تقبلوا عذري فأهلا ومرحبا |
|
وإن لم تجيبوا فالمحبّ حمول |
|
سأصبر لا عنكم ولكن عليكم |
|
عسى لي إلى ذاك الجناب وصول |
قال الصّاحب أبو القاسم : وقد صحبته ووهب لي قميصا له أزرق ، وقال لي يوما ببيت المقدس : يا أبا القاسم ، اعشق تفلح! فاستحييت ، وذلك في سنة ثلاث وستمائة ، ثمّ بعد مدّة سارّني بجامع دمشق ، وقال : عشقت بعد؟ فقلت : لا. قال : شه عليك. واتّفق أنّي تزوجت بعد ذاك بسنة ، وملت إلى الزوجة ميلا عظيما ، فما كنت أصبر عنها.
قال ابن العزّ عمر : قرأت في «تاريخ» ابن العديم (٢) ، بغير خطّه ، قال سيّدنا العلّامة أبو عبد الله محمد بن أبي الحسين اليونينيّ : كنت عند الشيخ يوما فجاءه رجلان من العرب ، فقالا : نطلع إليك؟ قال : لا ، فذهب أحدهما وجلس الآخر ، فقال الشيخ : (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً ، وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) (٣) ثمّ قال له : اطلع. وطلع ، فأقام عندنا أياما ، فقال له الشيخ : تحبّ أن أريك قبرك؟ قال : نعم ، فأتى به المقبرة ، فقال : هذا قبرك. فأقام بعد ذلك اثني عشر يوما أو أربعة عشر يوما ، ثمّ مات ، فدفن في ذلك المكان. وكان له زوجة ولها بنت ، فطلبت أن يزوّجني بها ، فتوقّفت أمّها ، وقالت : هذا فقير ما له شيء. فقال : والله إنّي أرى دارا قد بنيت له وفيها ماء جار وابنتك عنده في الإيوان ، وله
__________________
(١) كتب المؤلف ـ رحمهالله ـ على الحاشية : «يناجي».
(٢) هو بغية الطلب.
(٣) سورة الرعد : الآية ١٧.
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٤٤ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3629_tarikh-alislam-44%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
