وكان قد عرض له قبل ذلك ضعف ، ورعشة ، وصار يعتريه ورم الأنثيين ، فلمّا هزّته الخيل على خلاف العادة ، ودخله الرعب ، لم يبق إلّا مدّة يسيرة ، ومات بظاهر دمشق.
وكان مع حرصه يهين المال عند الشّدائد غاية الإهانة ، ويبذله. وشرع في بناء قلعة دمشق ، فقسّم أبرجتها على أمرائه وأولاده ، وكان الحفّارون يحفرون الخندق ، ويقطعون الحجارة ، فخرج من تحته خرزة بئر فيها مائة معين.
ومن نوادره : أنّ عنتر العاقد بلغه أنّ شاهدا شهد على القاضي زكيّ الدّين الطّاهر بقضية مزوّرة فتكلّم عنتر في الشاهد وجرحه ، فبلغ العادل. فقال : من عادة عنتر الجرح.
وتوضّأ مرة ، فقال : اللهمّ حاسبني حسابا يسيرا. فقال رجل ماجن له : يا مولانا إنّ الله قد يسّر حسابك. قال : ويلك وكيف ذلك؟ قال : إذا حاسبك فقل له : المال كلّه في قلعة جعبر لم أفرّط منه في قليل ولا كثير! وقد كانت خزائنه بالكرك ثمّ نقلها إلى قلعة جعبر وبها ولده الملك الحافظ ، فسوّل له بعض أصحابه الطّمع فيها ، فأتاها الملك العادل ونقلها إلى قلعة دمشق ، فحصلت في قبضة المعظّم فلم ينازعه فيها إخوته.
وقيل : إنّ المعظّم هو الّذي سوّل لأخيه الحافظ الطّمع والعصيان ، ففعل ، ولم يفطن بأنّها مكيدة لترجع الأموال إليه. ثمّ إنّه أخرج سراري أبيه من دمشق واستصفى أموالهم وحليهم ، وشرع يضع على أملاك دمشق القطائع والخراجات الثّقيلة ، والخمس على البساتين ، والثّمن على المزروعات.
قرأت بخط الكنديّ في «تذكرته» ، حدّثنا شرف الدّين ابن فضل الله سنة اثنتي عشرة بدمشق ، حدّثنا والدي أنّ القاضي بهاء الدّين إبراهيم بن أبي اليسر ، حدّثه ، قال : بعثني الملك العادل رسولا إلى علاء الدّين سلطان الروم ، فبالغ في إكرامي ، فجرى ذكر الكيمياء ، فأنكرتها ، فقال : ما أحدّثك إلّا ما تمّ لي ، وقف لي رجل مغربي ، فسلّم عليّ ، وكلّمني في هذا ، فأخذته ، وطلب منّي أصنافا عيّنها ، فشرع يعمل لي ذهبا كثيرا حتّى أذهلني. ثمّ بعد مدّة طلب منّي إذنا في
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٤٤ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3629_tarikh-alislam-44%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
