قال الضّياء : وسافر العزّ إلى بغداد مع عمّه الإمام عماد الدّين إبراهيم ، وأقام ببغداد عشر سنين ، واشتغل بالفقه والنّحو والخلاف ، ورجع وكان يتكلّم في مسائل الخلاف كلاما حسنا. ثمّ سافر بعد مدّة إلى أصبهان في طلب الحديث ، ولقوا شدّة من الغلاء والجوع. ثمّ رجع إلى بغداد وأقام بها يقرأ شيئا من الفقه واللّغة على الشيخ أبي البقاء. ثمّ عاد إلى دمشق ، وكان يقرأ الحديث للنّاس كلّ ليلة جمعة في مسجد دار البطّيخ بدمشق يعني مسجد السّلّاليّين ، وانتفع النّاس بمجالسته. ثمّ أنّه انتقل إلى الجامع ، إلى موضع والده فكان يقرأ يوم الجمعة بعد الصلاة في حلقتنا ، وسبب حصول ذلك أنّه لمّا جاء حنبل (١) من بغداد ، أراد الملك المعظّم يسمع «المسند» عليه ، فقرأ له بعض المحدّثين ، وكان «المسند» يقرأ عندنا وفي المدينة ، وكان العزّ ـ رحمهالله ـ يقرأ ويحضر عندنا جماعة من أهل المدينة ، منهم العلم الرّقّي إمام الملك ، فمضى إليه ، وقال : إن كنت تريد قراءة مليحة عاجلة فما يقرأ أحد مثل هذا الّذي في الجبل. فقال : تجيء به. فجاء الإمام إلى العزّ ، فقال له : ما لي في هذا رغبة وأنا رجل خامل الذّكر ، وما بيني وبين أحد عداوة وأخاف من المخالفين. فقال : هذا لا نخاف منه ، ما يحضر إلّا الملك والشيخ وأنت وأنا. فاستشار المشايخ ، فقال له شيخنا موفّق الدّين : إن كنت تمضي لله فامض ، وإن كنت تمضي لطمع الدّنيا ، فلا تفعل. فاستخار الله ومضى. فلمّا سمع الملك قراءته أعجبته كثيرا ، وخلع عليه ، وأحبّه ، وسأله عن أشياء من الحديث ، فأجابه ، ورأى منه ما لم ير من غيره. وكان بعد ذلك مهما طلب منه لا يكاد يردّه ، فطلب منه الجلوس مكان أبيه ، فأذن له ، وطلب منه مكانا في القدس لأصحابنا يصلّون فيه فأعطاه مهد عيسى. وكنّا نسمع «المسند» ، فقال بعض الحضور من المدينة : ما رأيت مثل هذه القراءة ، مثل الماء ، أو قال : مثل السيف.
ولمّا أراد الملك المحسن سماع «تاريخ بغداد» من الكنديّ ، قال : إن كان العزّ ابن الحافظ يقرأه فنعم ، فقرأه عليه.
__________________
(١) هو حنبل بن عبد الله الرّصافي.
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٤٤ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3629_tarikh-alislam-44%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
