فيه عند ذكر الزّرافة : رأيتها عند ملك البربر. كذا غير ملتفت إلى ما يتعاطاه خدمة الملك من التّعظيم ، فكان هذا ممّا أحنقهم عليه ، ولم يظهروه.
ثمّ إنّ قوما ممّن يناوئه بقرطبة ويدّعي معه الكفاءة في البيت والحشمة سعوا به عند أبي يوسف بأن أخذوا بعض تلك التّلاخيص ، فوجدوا فيه بخطّه حاكيا عن بعض الفلاسفة قد ظهر أنّ الزّهرة أحد الآلهة. فأوقفوا أبا يوسف على هذا ، فاستدعاه بمحضر من الكبار بقرطبة ، فقال له : أخطّك هذا؟ فأنكر ، فقال : لعن الله كاتبه ، وأمر الحاضرين بلعنه ، ثمّ أمر بإخراجه مهانا. وبإبعاده وإبعاد من يتكلّم في شيء من هذه العلوم ، وبالوعيد الشّديد. وكتب إلى البلاد بالتّقدّم إلى النّاس في تركها ، وبإحراق كتب الفلسفة ، سوى الطّبّ ، والحساب ، والمواقيت. ثمّ لمّا رجع إلى مرّاكش نزع عن ذلك كلّه ، وجنح إلى تعلّم الفلسفة ، واستدعى ابن رشد للإحسان إليه ، فحضر ومرض ، ومات في آخر سنة أربع.
وتوفّي أبو يوسف في غرّة صفر ، وولي بعده وليّ عهده ابنه أبو عبد الله محمد ، وكان قد جعله في سنة ستّ وثمانين وليّ العهد ، وله عشر سنين إذ ذاك.
وقال الموفّق أحمد بن أبي أصيبعة في «تاريخه» : حدّثني أبو مروان الباجيّ قال : ثمّ إنّ المنصور نقم على أبي الوليد ، وأمر بأن يقيم في بلد اليسّانة ، وأن لا يخرج منها ، ونقم على جماعة من الأعيان ، وأمر بأن يكون في مواضع أخر لأنّهم مشتغلون بعلوم الأوائل. والجماعة أبو الوليد ، وأبو جعفر الذّهبيّ ، ومحمد بن إبراهيم قاضي بجّاية ، وأبو الربيع الكفيف ، وأبو العبّاس الشّاعر القرابيّ. ثمّ إنّ جماعة شهدوا لأبي الوليد أنّه على غير ما نسب إليه ، فرضي عنه وعن الجماعة ، وجعل أبا جعفر الذّهبيّ مزوارا للأطبّاء والطّلبة.
وممّا كان في قلب المنصور من أبي الوليد أنّه كان إذا تكلّم معه يخاطبه بأن يقول : تسمع يا أخي.
قلت : واعتذر عن قوله ملك البربر بأن قال : إنّما كتبت ملك البرّين ، وإنّما صحّفها القارئ.
![تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام [ ج ٤٢ ] تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3622_tarikh-alislam-42%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
