المتضادات ، وتخصيص كلّ واحد منها لا يليق به غيره من الأحكام والصفات والخصائص ، وهل تتم الحكمة إلا بذلك. فوجود هذا النوع من تمام الحكمة ، كما أنه من كمال القدرة.
ومنها : أن حمده سبحانه تام كامل من جميع الوجوه ، فهو محمود على عدله ومنعه وخفضه وانتقامه وإهانته ، كما هو محمود على فضله وعطائه ورفعه وإكرامه ، فلله الحمد التام الكامل على هذا وهذا ، وهو يحمد نفسه على ذلك كله ، ويحمده عليه ملائكته ورسله وأولياؤه ، ويحمده عليه أهل الموقف جميعهم ، وما كان من لوازم كمال حمده وتمامه ، فله في خلقه إيجاد الحكمة التامة ، كما له عليه الحمد التام ، فلا يجوز تعطيل حمده ، كما لا يجوز تعطيل حكمته.
ومنها : أنه سبحانه يحب أن يظهر لعباده حلمه وصبره وأناته وسعة رحمته وجوده ، فاقتضى ذلك خلق من يشرك به ، ويضاده في حكمه ، ويجتهد في مخالفته ، ويسعى في مساخطه ، بل يشبهه سبحانه وهو مع ذلك يسوق إليه أنواع الطيبات ، ويرزقه ، ويعاقبه ، ويمكّن له من أسباب ما يلتذ به من أصناف النعم ، ويجيب دعاءه ، ويكشف عنه السوء ، ويعامله من بره وإحسانه بضد ما يعامله هو به من كفره وشركه وإساءته ، فلله كم في ذلك من حكمة وحمد. ويتحبب إلى أوليائه ، ويتعرف بأنواع كمالاته ، كما في الصحيح عنه صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله ، يجعلون له الولد وهو يرزقهم ويعافيهم» (١).
وفي الصحيح عنه صلىاللهعليهوسلم فيما يروي عن ربه : «شتمني ابن
__________________
(١) أحمد ٤ / ٣٩٥ و ٤٠١ ، والبخاري ٨ / ٣١ ، ومسلم ٨ / ١٣٣ و ١٣٤ ، وانظر المسند الجامع (٨٧٧٨).
