إلا كما نقص هذا العصفور من البحر. ويكفي أن ما يتكلم به من علمه ، لو قدّر أن البحر ، يمدّه من بعده سبعة أبحر ، مداد ، وأشجار الأرض كلها ، من أول الدهر إلى آخره ، أقلام يكتب به ما يتكلم به مما يعلمه ، لنفذت البحار وفنيت الأقلام ، ولم تنفد كلماته ، فنسبة علوم الخلائق إلى علمه سبحانه كنسبة قدرتهم إلى قدرته ، وغناهم إلى غناه وحكمتهم إلى حكمته.
وإذا كان أعلم الخلق به على الإطلاق يقول : «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (١).
ويقول في دعاء الاستخارة : فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علّام الغيوب (٢). ويقول سبحانه للملائكة : (إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠)) [البقرة] ويقول سبحانه لأعلم الأمم ، وهم أمة محمد صلىاللهعليهوسلم : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦)) [البقرة] ويقول لأهل الكتاب : (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (٨٥)) [الإسراء] وتقول رسله يوم القيامة حين يسألهم (ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)) [المائدة].
وهذا هو الأدب المطابق للحقّ في نفس الأمر ، فإن علومهم وعلوم الخلائق تضمحل وتتلاشى في علمه سبحانه ، كما يضمحل ضوء السراج الضعيف في عين الشمس ، فمن أظلم الظلم وأبين الجهل وأقبح القبيح وأعظم القحة والجراءة ، أن يعترض من لا نسبة لعلمه إلى علوم الناس ، التي لا نسبة لها إلى علوم الرسل ، التي لا نسبة لها إلى علم ربّ العالمين ، عليه ويقدح في حكمته ، ويظن أنّ الصواب والأولى أن يكون غير ما جرى به قلمه وسبق به علمه ، وأن يكون الأمر بخلاف ذلك. فسبحان الله رب العالمين
__________________
(١) رواه مسلم (٤٨٦) عن عائشة.
(٢) مر سابقا.
