البحث الثالث في العدم :
وهو بديهي التصور ، ومن استدل على بداهته بتوقف التصديق عليه لم يصب لما اسلفناه ، هذا في العدم المضاف ، وأما في العدم المطلق ففيه شك من حيث إن العدم المطلق لا تميز له ولا تعين فكيف يمكن توجه الإشارة العقلية نحوه.
وأيضا فإن العدم المطلق لو كانت (١) له ثبوت ذهني لكان داخلا تحت مقابله ، وأيضا لو كان له ثبوت ذهني لا مكننا رفعه الذي هو أخص منه فيكون الجزءين مقابلا.
مسألة : المعدوم إما أن يكون ممتنع الثبوت وقد وقع الاتفاق على نفيه وإما أن يكون ممكن الثبوت ، فالمحققون على أنه نفي محض لا ثبوت له عينا وهو ثابت في الذهن ، وأما أبو هاشم وابو علي وأتباعهما فزعموا أنه ثبات خارج الذهن ، وهؤلاء قد جعلوا الثبوت أعم من الوجود (٢).
لنا : أن معنى الوجود والثبوت هو الكون في الأعيان فلو كان المعدوم كائنا
__________________
(١) ب : كان.
(٢) القائلون بكون الثبوت واسطة بين الوجود والعدم وشيئية المعدوم هم جمع من اكابر المعتزلة نقله الشهرستاني عن غير واحد منهم ومن جملتهم ابو علي وابو هاشم الجبائيان وقال ان الخياط منهم غال في ذلك (الملل والنحل ج ١ ص ٧٧ و ٨٣) ، ونقل الرازي القول بشيئية المعدوم عن ابي يعقوب الشحام وابي علي الجبائي وابي هاشم وابي الحسين الخياط وابي عبد الله البصري وابي اسحاق بن عياش والقاضي عبد الجبار وتلامذته (محصل افكار المتقدمين والمتاخرين ص ٨٣).
وقد نفى الحكماء الواسطة بين الوجود والعدم وجعلوا الشيء مساوقا للوجود وتبعهم على ذلك متكلمي الشيعة والاشاعرة (راجع : العلامة الحلي ، كشف المراد ص ٣٥ والايجي ، المواقف ص ٥٦ ، وشرحه للجرجاني ج ٢ ص ١٨٩ ، والتفتازاني ، شرح المقاصد ج ١ ص ٣٥٥) ، وقد كشف العلامة هنا ـ مناهج اليقين ـ عن علة خطأ القائلين بشيئية المعدوم وهو انهم لم يعترفوا بالوجود الذهني ـ كما يأتي في المتن ـ.
