المقصد الثاني
في التوبة
وقد حدّ أبو هاشم التوبة بأنها الندم على المعصية والعزم على ترك المعاودة ، لأن التوبة بذل الوسع ولا يكون الشخص باذل لوسعه الا اذا عزم على ترك المعاودة مع ندمه على التالف.
وجماعة جعلوا العزم على ترك المعاودة شرطا فيها لا جزءا ، ومحمود لم يجعله شرطا ولا جزءا (١).
مسألة : التوبة إن كانت من فعل القبيح المتضمن لا يصال الضرر الى الغير ، فإن كان ظلما وما أشبهه من القذف وغيره فانه لا تصح قبل الخروج الى المظلومين من حقوقهم او الى ورثتهم او الاستيهاب من المظلومين ، وان لم يتمكن في الحال من ذلك عزم على أدائه متى أمكن ، وإن كان إضلالا فلا تصح التوبة الا بعد أن بيّن لمن أضله بطلان قوله.
وإن لم يتضمن القبيح إيصال الضرر الى الغير كفى في التوبة الندم والعزم.
وإن كانت من إخلال بواجب وكان يصح ادائه في كل وقت كالزكاة لم تصح الّا بعد أدائه مع المكنة ، وإن اختص بوقت وكان مما يصح قضاؤه كالصلاة لم تصح الا بعد الاشتغال في القضاء مع المكنة ، وإن لم يكن مما يصح قضاؤه كالعيد كفى الندم والعزم.
واعلم أن التوبة إنما تصح عن القبيح اذا وقعت ندما عليه لأجل قبحه ، وهذا ظاهر ، فإن جهة القبح جهة صرف ، ولأن من تاب عن الخمر لأجل ضرره
__________________
(١) انظر عن ذلك الى : القاضي عبد الجبار ، المغني في ابواب التوحيد والعدل ج ١٤ ص ٣١١ فبعد.
