احدها : قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ) (١). فنقول : هذا الغفران إما أن يكون مع التوبة أو بدونها ، والأول باطل للإجماع بأن الشرك مغفور على التوبة فالثاني حق ، ولا يمكن أن يقال : إن عدم غفران الشرك مع عدم التوبة وغفران ما دون ذلك بها لخروج الكلام عن النظم الصحيح فلا يبقى للفصل معنى ، ولأن الغفران مع التوبة واجب فلا يجوز تعليقه بالمشية.
لا يقال : الغفران هو الستر لا الإسقاط ، وتحقيق الغفران في حق صاحب الذنب تأخير عقوبته الى يوم القيامة ، وتحقيق عدمه في حق الكافر هو تعجيلها ، وتحقيق هذا التأويل ما قبل الآية من قوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ) ثم عقب بعد ذلك بقوله (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) ، التقدير إن لم تؤمنوا فعلنا بكم كما فعلنا بأهل الكتاب من طمس الوجوه والمسخ.
سلمنا أن المراد السقوط ، لكن يحتمل أن يكون السقوط اشارة الى بعض أنواع العقاب لا إلى جميع أنواعه ، ونحن نقول بذلك ، فإن عقاب الكافر أزيد من عقاب الفاسق فيحتمل أن يكون الساقط ذلك القدر الزائد من العقاب.
لأنا نجيب عن الاول ، بوقوع الإجماع ، على أن المراد بالغفران هاهنا (٢) السقوط ، فإن الوعيدية تأولوا ذلك بالتائب او بمن زاد ثوابه على عقابه ، والتفضلية حملوا ذلك على المضر ، فعلم أنهم اتفقوا على ان المراد بالغفران السقوط.
وعن الثاني ، ان المراد سقوط جميع أنواع العقاب والّا لما بقي فرق بين الكافر والفاسق ، فإن الكافر لا يمكن أن يعذب بجميع أنواع العذاب.
__________________
(١) النساء : ٤٨.
(٢) الف : كلمة «هاهنا» ساقطة.
