السبب ، وراعوا فيه ساعته الاولى ، وتختموا بخاتمه المعمول على صورته وهيئته وصنعته ، ولبسوا اللباس الخاص به ، وتبخروا ببخوره الخاص ، ودعوا بدعواته الخاصة به ، وسألوا حاجتهم منه : الحاجة التي تستدعي من زحل ، من أفعاله وآثاره الخاصة به ، فكان يقضي حاجتهم ويحصل في الأكثر مرامهم ، وكذلك رفع الحاجة التي تختص بالمشتري في يومه وساعته ، وجميع الإضافات التي ذكرنا إليه ، وكذلك سائر الحاجات إلى الكواكب ، وكانوا يسمونها أربابا آلهة ، والله تعالى هو رب الأرباب ، وإله الآلهة. ومنهم من جعل الشمس إله الآلهة ، ورب الأرباب.
وكانوا يتقربون إلى الهياكل تقربا إلى الروحانيات ، ويتقربون إلى الروحانيات تقربا إلى الباري تعالى ، لاعتقادهم بأن الهياكل أبدان الروحانيات ، ونسبتها إلى الروحانيات نسبة أجسادنا إلى أرواحنا ، فهم الأحياء الناطقون بحياة الروحانيات ، وهي تتصرف في أبدانها تدبيرا ، وتصريفا ، وتحريكا كما نتصرف في أبداننا ، ولا شك أن من تقرب إلى شخص فقد تقرب إلى روحه.
ثم استخرجوا من عجائب الحيل المرتبة على عمل الكواكب ما كان يقضي منهم العجب ، وهذه الطلسمات (١) المذكورة في الكتب والسحر ، والكهانة ، والتنجيم ، والتعزيم والخواتيم ، والصور (٢) كلها من علومهم.
__________________
(١) الطلسمات : علم بأحوال تمزيج القوى الفعالة السماوية بالقوى المنفعلة الأرضية لأجل التمكن من إظهار ما يخالف العادة أو المنع مما يوافقها. وهو قريب المأخذ بالنسبة إلى السحر لكون مباديه وأسبابه معلومة ، وأما منفعته فظاهرة ، لكن طرق تحصيله شديدة العناء.
(٢) السحر : هو علم يستفاد منه حصول ملكة نفسانية يقتدر بها على أفعال غريبة بأسباب خفية ، وهو علم خفي سببه ، صعب استنباطه لأكثر العقول ، وحقيقته كل ما انقادت النفوس إليه بخدعة فتميل إلى إصغاء الأقوال والأفعال الصادرة عن الساحر ، فعلى هذا التقدير هو علم يبحث عن معرفة الأحوال الفلكية وأوضاع الكواكب وعن ارتباط كل منها مع الأمور الأرضية.
أما الكهانة فهي علم مناسبة الأرواح البشرية مع الأرواح المجردة أي الجن والشياطين والاستعلام بهم عن أحوال الجزئية الحادثة في عالم الكون والفساد المخصوصة بالمستقبل. وقد كان في العرب كهنة كشقّ وسطيح وغيرهما ، فمنهم من كان يزعم أن له تابعا من الجن ورئيّا يلقي إليه الأخبار ، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من ـ
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
