أن منه ما هو عقلي ، وما هو نفسي ، ومنه ما هو حسي ، فيلزمك من حيث التضاد أن تذكر حد الشيطان على الضدّ مما ذكرته من حد الملك ، وتعد أقسامه وأنواعه أيضا ، ويلزمك من حيث الترتب أن تذكر حد الإنسان على التضاد مما ذكرته من حد الملك ، وتعد أقسامه وأنواعه كذلك حتى يكون من الإنسان ما هو محسوس فقط ، ومنه ما هو ـ مع كونه محسوسا ـ روحاني نفساني عقلي ، وذلك هو درجة النبوة ، فمن عقل عمل من حس ، ومن حس عمل من عقل ، ومن نفس مزاجي ، ومن مزاج نفسي ، ومن روح جسماني ، ومن جسم روحاني. دع عنك كلام العامة ولا تظنن هذه الطامة.
قالت الصابئة :
لقد حصرتمونا بإبطال تساوي العقول والنفوس ، وإثبات الترتب والتضاد فيهما. ولا شك أن من سلم الترتب فقد لزمه الاتباع. فأخبرونا ما رتبة الأنبياء بالنسبة إلى نوع الإنسان؟ وما رتبتهم بالإضافة إلى الملك والجن (١) وسائر الموجودات؟ ثم ما مرتبة النبي عند الباري تعالى؟ فإن عندنا الروحانيات أعلى مرتبة من جميع الموجودات ، وهم المقربون في الحضرة الإلهية ، والمكرمون لديه ، ونراكم تارة تقولون : إن النبي يتعلم من الروحاني (٢) ، ونراكم تارة تقولون : إن الروحاني يتعلم من النبي.
__________________
(١) الملائكة والجن أجسام لطيفة قادرة على التشكل ، وقد امتازت الملائكة بأن أجسامهم نورانية دأبهم الطاعات لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، هم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون وأنهم لا يغتذون ويتشكلون بأشكال الخير وحدها.
أما الجن فهم أجسام نارية مستعدون للخير والشر معا ، وهم يغتذون ونفوس هؤلاء وسائر الناس دون نفوس الأنبياء التي قد تميزت نفوسهم بعقل هاد مهدي هو فوق العقول كلها بالنفحة الربانية المدبرة لها المالكة عليها المتصرفة فيها.
(٢) اتفقت كلمة الأنبياء على أنهم لا ينطقون بشيء من المعارف والعلوم إلا بعد الوحي ، فهذا اعتراف بأن علومهم مستفادة منهم ، وقد كان جبريل معلما لمحمد صلىاللهعليهوسلم بدليل قوله تعالى في سورة النجم : الآية ٥ : (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى) والمعلم أعلم من المتعلم ، لا نسلم بذلك فقد اعترفت الملائكة بأن آدم أكثر علما منهم بدليل قوله تعالى في سورة البقرة : الآية ٣٣ : (يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ) بعد أن بيّن لهم من فضل آدم عليهالسلام ما لم يكن ذلك معلوما لهم ، وذلك بأن علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم عليهم ليظهر بذلك كمال فضله وقصورهم في العلم عنه ، ومحمد صلىاللهعليهوسلم أفضل من آدم عليهالسلام وأعلم منه ، على أنا لو سلمنا مزيد علم الملائكة لكن ذلك لا يقتضي الأفضلية وكثرة الثواب ، فإنا نرى الرجل المبتدع محيطا ـ
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
