الماهية والصورة. وإما أن يكون من جهة النسبة إلى العنصر والمادة ، وبطل الأول لأن صورتها واحدة ، وهي متفقة في النوع ، والماهية لا تقبل اختلافا ذاتيا ، وبطل الثاني لأن البدن والعنصر فرض غير موجود. قال : ومحال أن تكون واحدة بالذات ، لأنه إذا حصل بدنان حصلت فيهما نفسان. فإما أن يكونا قسمي تلك النفس الواحدة ، وهو محال لأن ما ليس له عظم وحجم لا يكون منقسما ، وإما أن تكون النفس الواحدة بالعدد في بدنين ، وهذا لا يحتاج إلى كثير تكلف في إبطاله. فقد صح أن النفس تحدث كلما حدث البدن الصالح لاستعمالها إياه ، ويكون البدن الحادث مملكتها وآلتها ، ويكون في هيئة جوهر النفس الحادثة مع بدن ما ، ذلك البدن الذي استحقه نزاع طبيعي إلى الاشتغال به واستعماله والاهتمام بأحواله. والانجذاب إليه يخصها ويصرفها عن كل الأجسام غيره بالطبع إلا بواسطته. وأما بعد مفارقة البدن فإن الأنفس قد وجد كل واحد منها ذاتا منفردة باختلاف موادها التي كانت وباختلاف أزمنة حدوثها ، واختلاف هيئاتها التي بحسب أبدانها المختلفة لا محالة بأحوالها. وأنها لا تموت بموت البدن ، لأن كل شيء يفسد بفساد شيء آخر فهو متعلق به نوعا من التعلق. فإما أن يكون تعلقه به تعلق المكافئ في الوجود ، وكل واحد منهما جوهر قائم بنفسه فلا تؤثر المكافأة في الوجود في فساد أحدهما بفساد الثاني ، لأنه أمر إضافي ، وفساد أحدهما يبطل الإضافة لا الذات. وإما أن يكون تعلقه به تعلق المتأخر في الوجود. فالبدن علة للنفس (١) ، والعلل أربع (٢) ، فلا يجوز أن يكون علة فاعلية ، فإن الجسم بما هو جسم لا يفعل شيئا إلا بقواه (٣). والقوى الجسمانية إما أعراض أو صور مادية، فمحال أن يفيد أمر قائم
__________________
(١) إن النفس عند ابن سينا حادثة. وهو يوافق أرسطو في هذا الرأي ويخالف أفلاطون على رأي بعضهم من أنه يقول بقدمها.
(٢) وهي : علة فاعلية للنفس معطية لها الوجود ، وعلة قابلية لها بسبيل التركيب كالعناصر للأبدان ، أو بسبيل البساطة كالنحاس للصنم ، وعلة صورية ، وعلة كمالية.
(٣) فلو كان يفعل بذاته لا بقواه لكان كل جسم يفعل ذلك الفعل.
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
