يكون هذا الإمكان طابق جزءا من الأول ولم يطابق جزءا مقتضيا وكان من شأن هذا الإمكان التقضي ، لأنه لو ثبت للحركات بحال واحدة لكانت تقطع المتفقات في السرعة ، أي وقت ابتدأت وتركت ، مسافة واحدة بعينها. ولما كان إمكان أقل من إمكان. فوجد في هذا الإمكان زيادة ونقصان يتعينان ، فكان ذا مقدار مطابق للحركة. فإذن هاهنا مقدار للحركات مطابق لها. وكل ما طابق الحركات فهو متصل ، ويقتضي الاتصال تجدده ، وهو الذي نسميه «الزمان» ثم هو لا بد وأن يكون في مادة ، ومادته الحركة ، فهو مقدار الحركة ، وإذا قدرت وقوع حركتين مختلفتين في العدم كان هناك إمكانان مختلفان ، بل مقداران مختلفان. وقد سبق أن الإمكان والمقدار لا يتصور إلا في موضوع ، فليس الزمان محدثا حدوثا زمانيا بحيث يسبقه زمان ، لأن كلامنا في ذلك الزمان بعينه ، وإنما حدوثه حدوث إبداع لا يسبقه إلا مبدعه. وكذلك ما يتعلق به الزمان ويطابقه. فالزمان متصل يتهيأ أن ينقسم بالتوهم. فإذا قسم ثبتت منه آنات ، وانقسم إلى الماضي والمستقبل. وكونهما فيه ككون أقسام العدد في العدد. وكون الآن فيه كالوحدة في العدد. وكون المتحركات فيه ككون المعدودات في العدد. و «الدهر» هو المحيط بالزمان. وأقسام الزمان ما فصل منه بالتوهم كالساعات ، والأيام ، والشهور والأعوام.
* * *
وأما المكان فيقال مكان لشيء يكون محيطا بالجسم ، ويقال لشيء يعتمد عليه الجسم والأول هو الذي يتكلم فيه الطبيعي ، وهو حاو للمتمكن ، مفارق له عند الحركة ومساو له ، وليس هو شيئا في المتمكن وكل هيولى وصورة فهو في المتمكن ، فليس المكان إذن بهيولى ولا صورة ، ولا الأبعاد التي يدّعي أنها مجردة عن المادة ، قائمة بمكان الجسم المتمكن ، لا مع امتناع خلوها كما يراه قوم ، ولا مع جواز خلوها كما يظنه مثبتو الخلاء ، ونقول في نفي الخلاء : إن فرض خلاء خال فليس هو لا شيئا محضا ، بل هو ذات ما له «كم» لأن كل خلاء يفرض فقد يوجد خلاء آخر أقل منه أو أكثر ، ويقبل التجزؤ في ذاته. والمعدوم واللاشيء ليس يوجد هكذا ،
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
