لا في مادة. وقد بينا أن كل ذات لا في مادة فهي عقل وأنت تعلم أن في الموجودات أجساما ، وكل جسم ممكن الوجود في حيز نفسه ، وأنه يجب بغيره وعلمت أنه لا سبيل إلى أن يكون عن الأول بغير واسطة وعلمت أن الواسطة واحدة ، فبالحرى أن تكون عنها المبدعات الثانية والثالثة وغيرها ، بسبب اثنينية فيها ضرورة. فالمعلول الأول ممكن الوجود بذاته ، وواجب الوجود بالأول. ووجوب وجوده بأنه عقل وهو يعقل ذاته ويعقل الأول ضرورة. وليست هذه الكثرة له من الأول ، فإن إمكان وجوده له بذاته لا بسبب الأول ، بل له من الأول وجوب وجوده ، ثم كثرة أنه يعقل الأول ويعقل ذاته كثرة لازمة لوجوب وجوده عن الأول. وهذه كثرة إضافية ليست في أول وجوده وداخلة في مبدأ قوامه. ولو لا هذه الكثرة لكان لا يمكن أن يوجد منها إلا وحدة ، ولكان يتسلسل الوجود من وحدات فقط ، فما كان يوجد جسم. فالعقل الأول يلزم عنه بما يعقل الأول وجود عقل تحته وبما يعقل ذاته وجود صورة الفلك وكماله وهي النفس ، وبطبيعة إمكان الوجود الخاصية له المندرجة فيما يعقله لذاته وجود جرمية الفلك الأعلى المندرجة في جملة ذات الفلك الأعلى بنوعه ، وهو الأمر المشارك للقوة. فيما يعقل الأول يلزم عنه عقل ، وبما يختص بذاته على جهتيه الكثرة الأولى بجزءيها أعني المادة والصورة ، والمادة بتوسط الصورة أو بمشاركتها. كما أن إمكان الوجود يخرج إلى الفعل بالعقل الذي يحاذي صورة الفلك. وكذلك الحال في عقل عقل ، وفلك فلك ، إلى أن ينتهي إلى العقل الفعال الذي يدبر أنفسنا. وليس يجب أن يذهب هذا المعنى إلى غير النهاية حتى يكون تحت كل مفارق مفارق. فإنه إن لزم كثرة عن العقول فبسبب المعاني التي فيها من الكثرة. وقولنا هذا ليس ينعكس حتى يكون كل عقل فيه هذه الكثرة ، فتلزم كثرته هذه المعلومات ، ولا هذه العقول متفقة الأنواع حتى يكون مقتضى معانيها متفقا. ومن المعلوم أن الأفلاك كثيرة (١) فوق العدد الذي في المعلول الأول. فليس
__________________
(١) لقد جمع ابن سينا في آرائه بنظرية الفيض بين آراء أفلاطون وآراء أرسطو ومزجهما ببعض ، فقد أخذ من أرسطو قوله : إن فوق العالم إلها وإن هناك أفلاكا ذات حركات مستديرة وإنها تتحرك تحت تأثير ـ
![الملل والنّحل [ ج ٢ ] الملل والنّحل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3570_almilal-walnihal-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
