هذا الرجل الذى كانت تلك طويته كان بينه وبين نظرائه ما يكون بين العلماءِ. يروى القفطى أَن أَبا عمرو كان فى مجلس سعيد بن سلم الباهلى ، وفى المجلس الأَصمعى ، فأَنشد سعيد بيت الحارث بن حلزة :
عَنَتًا باطلاً وظُلما كما تُعْنَز عن حَجرة الرَّبيض الظباءُ
فقال الأَصمعى : وما معنى : تعنز؟ قال سعيد : تنحى ، ومنه قيل : العنزة ، للحربة التى كانت تجعل قدّام رسول الله صلىاللهعليهوسلم. فقال أَبو عمرو : الصواب : تعتر ، أَى تنحر فتصير عتائر. فوقف الأَصمعى ، فقال أَبو عمرو للأَصمعى : والله لا تنشد بعد اليوم إِلا «تعتر».
وهذه القصة يرويها أَبو أَحمد العسكرى فى كتابه «شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف» على وجه آخر فيجعل أَحدهما مكان صاحبه.
ويظهر أَن هذه كانت عن إحساس من أَبى عمرو بما يكنه الأَصمعى له ، تدلك عليه تلك القصة التى يرويها القفطى ، يقُول : دخل الأَصمعى على أَبى عمرو الشيبانى فى منزله ببغداد ، وهو جالس على جلد فراء ، فأَوسع له أَبو عمرو فجر الأَصمعى يده على الفراء ، ثم قال : يا أَبا عمرو ، ما يعنى الشاعر بقوله :
|
بضربٍ كآذان الفِراء فُضوله |
|
وطَعْنٍ كإِيزاغِ المَخاض تَبُورُهَا |
فقال : هى هذه التى تجلس عليها يا أَبا سعيد. فقال الأَصمعى لمن حضر : يا أَهل بغداد، هذا عالمكم.
والفِراء ، هاهنا : جمع فَرأ ، وهو الحمار الوحشىّ.
ويروى أَبو أَحمد العسكرى يقول : أَنشد الأَصمعى بيت الحطيئة :
وغَررتنى وزَعمت أَنّك لا تَنِى بالضَّيف تامِرْ
![كتاب الجيم [ ج ١ ] كتاب الجيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3533_kitab-aljim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
