والقتل والسلب بعد الأمان ، (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً) بتخويف المسلمين ، وقطع طرقهم وأخذ أموالهم ، والاعتداء على حرماتهم وأعراضهم ، هو ما أذكره لكم لا غيره فاعلموه أنه (أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) ومعنى يقتلوا : يقتلون واحدا بعد واحد نكاية لهم وإرهابا وتعزيرا لغيرهم ، ومعنى يصلبوا بعد ما يقتل الواحد منهم يشد على خشبة مدة ثلاثة أيام ومعنى ينفوا من الأرض يخرجوا من دار الإسلام ، أو الى مكان ناء كجزيرة في بحر أو يحبسوا حتى ينجو المسلمون من شرهم وأذاهم ، ويكون ذلك الجزاء المذكور خزيا وذلا لهم (١) في الدنيا (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ) وهو عذاب النار ، وقوله تعالى : (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) فهذا استثناء متصل من أولئك المحاربين بأن من عجزنا عنه فلم نتمكن من القبض عليه ، وبعد فترة جاءنا تائبا فإن حكمه يختلف عمن قبله ، وقوله تعالى : (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) يحمل إشارة واضحة إلى تخفيف الحكم عليه ، وذلك فإن كان كافرا وأسلم فإن الإسلام يجب ما قبله فيسقط عنه كل ما ذكر في الآية من عقوبات .. وإن كان مسلما فيسقط الصلب ويجب عليه ، رد المال الذي أخذه إن بقي في يده ، وإن قتل أو فجر وطالب بإقامة الحد عليه أقيم عليه الحد ، وإلا ترك لله والله غفور رحيم.
هداية الآيتين
من هداية الآيتين :
١ ـ بيان حكم الحرابة (٢) وحقيقتها : خروج جماعة اثنان فأكثر ويكون بأيديها سلاح ولهم شوكة ، خروجهم إلى الصحراء بعيدا عن المدن والقرى ، يشنون هجمات على المسلمين فيقتلون ويسلبون ويعتدون على الأعراض ، هذه هي الحرابة وأهلها يقال لهم المحاربون وحكمهم ما ذكر تعالى في الآية الأولى (٣٣).
__________________
(١) إن كان المحاربون مسلمين فالخزي لهم هو نزول العقوبة بهم في الدنيا من القتل والصلب والنفي وفي الآخرة ينجون من عذابها إن تابوا قبل موتهم ، وإن كان المحاربون كافرين فالخزي عذاب الدنيا والعذاب العظيم لهم في الآخرة ، وفرّقنا بين المسلمين والكافرين لأنّ المسلمين إقامة الحد عليهم يكفّر ذنب الجريمة للحديث الصحيح في البيعة : «فمن وفّى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفّارة له ومن أصاب منها شيئا فستره الله فهو إلى الله إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له» فقوله : (فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) دليل على سقوط عذاب الآخرة بالحدّ.
(٢) الجمهور على أن اللّصّ كالمحارب يناشد بالله تعالى أن يكفّ وينصرف وإن أبي يقاتل ويقتل ومن قتله اللّصّ فهو في الجنة وإن قتل اللّصّ فهو في النار لحديث الصحيح عن أبي هريرة قال : «جاء رجل إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : أرأيت يا رسول الله إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال : فلا تعطه مالك قال : أرأيت إن قاتلني؟ قال : قاتله. قال : أرأيت إن قتلني؟ قال : فأنت شهيد. قال : فإن قتلته؟ قال : هو في النار».
![أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير [ ج ١ ] أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3464_aysar-altafasir-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
