بمرور الأيام يتوبون ، فلما اختلفوا واشتد الخلاف في شأنهم أنزل الله تعالى هذه الآيات فقال : (فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ (١) بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ (٢) أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً) ومعنى الآية أي شيء صيركم في شأن المنافقين فئتين؟ والله تعالى قد أركسهم في الكفر بسبب ما كسبوه من الذنوب العظام. أتريدون أيها المسلمون أن تهدوا من أضل الله ، وهل يقدر أحد على هداية من أضله الله؟ وكيف ، ومن يضلل الله حسب سنته في إضلال البشر لا يوجد له هاد ، ولا سبيل لهدايته بحال من الأحوال.
ثم أخبر تعالى عن نفسيّة أولئك المنافقين المختلف فيهم فقال وهي الآية الثالثة (٨٩) (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً) أي أحبوا من قلوبهم كفركم لتكونوا مثلهم وفيه لازم وهو انتهاء الإسلام ، وظهور الكفر وانتصاره.
ومن هنا قال تعالى محرما موالاتهم إلى أن يهاجروا فقال : (فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ) تعولون عليهم في نصرتكم على إخوانهم في الكفر. وظاهر هذا السياق أن هؤلاء المنافقين هم بمكة وهو كذلك. وقوله تعالى (حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) (٣) ، لأن الهجرة إلى المدينة تقطع صلاتهم بدار الكفر فيفتر عزمهم ويراجعوا الصدق في إيمانهم فيؤمنوا فإن هاجروا ثم تولوا عن الإيمان الصحيح إلى النفاق والكفر فأعلنوا الحرب عليهم (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً) لأنهم بارتكاسهم لا خير فيهم ولا يعول عليهم.
ثم في الآية (٩٠) استثنى لهم الرب تعالى صنفين من المنافقين المذكورين فلا يأخذونهم أسرى ولا يقاتلونهم ، الصنف الأول الذين ذكرهم تعالى بقوله (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ) أي يلجأون (إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ) (٤) (مِيثاقٌ) فبحكم استجارتهم بهم طالبين الأمان منهم فأمنوهم أنتم حتى لا تنقضوا عهدكم. والصنف الثاني قوم ضاقت صدورهم بقتالكم ،
__________________
(١) جملة : (وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ) حالية.
(٢) الاستفهام انكاري وهو دال على جملة محذوفة تقديرها : انهم قد أضلهم الله.
(٣) الهجرة : هجرتان هي لمنافقي المدينة : الخروج إلى الغزو مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وهجرة لمنافقي مكة وهي إلى
المدينة للاقامة بها ، والهجرة أنواع ، منها ترك المعاصي لحديث : «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ورسوله» ومنها هجرة الفساق وأهل البدع ليتوبوا من ذنوبهم.
(٤) قد اختلف في هؤلاء الذين بينهم وبين المؤمنين ميثاق ، وما دامت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فلا طائل تحت معرفتهم الآن ، إذ العبرة أنّ في الآية دليل على جواز الموادعة بين أهل الحرب والمسلمين للضرورة.
![أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير [ ج ١ ] أيسر التفاسير لكلام العليّ الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3464_aysar-altafasir-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
