«يقال أخرجوا من النار من في قلبه مثقال دينار من إيمان».
و «آخر من يخرج من في قلبه مثقال ذرّة من إيمان».
وما بين المثقال والذرّة على تفاوت درجاتهم ، يخرجون بين طبقة المثقال وبين طبقة الذرّة ، والموازنة بالمثقال والذرّة على سبيل ضرب المثل ـ كما ذكرناه من الموازنة بين أعيان الأموال وبين النقود ـ وأكثر ما يدخل الموحّدين النار مظالم العباد ، فديوان العباد هو الديوان الذي لا يترك ، وأمّا بقيّة السيّئات ، فيتسارع العفو والتكفير إليها. ففي الأثر (١) : «إنّ العبد ليوقف بين يدي الله ـ عزوجل ـ وله من الحسنات أمثال الجبال ، لو سلّمت له لكان من أهل الجنّة ، فيقوم أصحاب المظالم ، فيكون قد سبّ عرض هذا ، وأخذ مال هذا ، وضرب هذا ؛ فينقص من حسناته حتّى لا يبقى له حسنة ؛ فتقول الملائكة : «يا ربّنا قد فنيت حسناته وبقي طالبون كثير» ، فيقال : «ألقوا من سيّئاتهم على سيئاته وصكّوا له صكّا إلى النار».
وكما يهلك هو بسيّئة غيره بطريق القصاص ، فكذلك ينجو المظلوم بحسنة الظالم ، إذ ينقل إليه عوضا عمّا ظلمه به. وقد حكي عن ابن الجلاء (٢) أنّ بعض إخوانه اغتابه ، ثمّ أرسل
__________________
(١) ـ أخذه الغزالي عن قوت القلوب واللفظ له مع فروق يسيرة. وقد أخرج الحاكم في المستدرك (كتاب الأهوال ، ٤ / ٥٧٤) : «يرفع للرجل الصحيفة يوم القيامة ، فما تزال مظالم بني آدم تتبعه حتى ما يبقى له حسنة ، وتزاد عليه من سيّئاتهم».
(٢) ـ أحمد بن يحيي الجلاء أبو عبد الله ، قال القشيري (الرسالة القشيرية : ٧٦) بغدادي الأصل ، أقام بالرملة ودمشق ، من أكابر مشايخ الشام. صحب أبا تراب وذا النون وأبا عبيد البسري وأباه يحيى الجلاء ...». وكلامه هذا في قوت القلوب : ٢ / ١٥٠.
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ٢ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3444_ilm-alyaqin-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)