تحصل له وصار كاملا ، استغنى عن البدن لا محالة ، وانزجر عنه لتوجّهه دائما نحو كمال اخروي على التدريج ، ورجوعه الطبيعي إلى عالم آخر ، وانتقاله قليلا قليلا إلى نشأة ثانية ، حتّى إذا بلغ غايته من التجوهر ومبلغه من الاستقلال في الذات انقطع تعلّقه عن البدن بالكليّة ، ورجع إلى عالم أعلى ومحلّ أرفع.
ولهذا يرى الإنسان كلّما كمل عقله وازداد في عمره وحصل له تجاربه التي كانت في قوّته ، ازداد في بدنه وهنا وفي قواه كلالا وضعفا ـ لاستغنائه عنه شيئا فشيئا ـ فكلّما ازداد الروح حياة في تحصيل الكمال ، ازداد البدن موتا ، إلى أن يحيى هذا كلا ، ويموت هذا كلا ـ سواء كانت كمالاته مسعدة او مشقية.
فإنّه كما تكون الحركة الذاتيّة في السعادة ويكون التكامل فيها كذلك تكون في الشقاوة والازدياد فيها ـ على حسب ما غرز في جبلّة الروح.
فللإنسان حركة طبيعيّة ذاتيّة من لدن نشوئه ووجوده ومبدئه ، إلى آخر بعثه ولقاء بارئه ومعاده ؛ وإليها الإشارة بقوله ـ عزوجل ـ : (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) [٨٤ / ٦].
والموت والبعث منزلان من منازل هذا الطريق ، لا بدّ من المرور عليهما لا محالة ، ولا مفرّ منهما ، فهما ضروريّان للإنسان : (أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) [٤ / ٧٨](قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ) [٦٢ / ٨](كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) [٢٩ / ٥٧](ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ) [٢٣ / ١٦].
ولمّا كان الموت والبعث واقعين في طريق هذه الحركة ، وقد رأى الناس ـ في سلوكهم هذا ـ كثيرا من المراتب السابقة عليها بقطعهم
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ٢ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3444_ilm-alyaqin-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)