الشهوات ، قد اتّخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم ، ويمّموه (١) عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم ؛ لا يقطعون أمد غاية عبادته ، ولا يرجع بهم الاستهتار (٢) بلزوم طاعته ، إلّا إلى موادّ من قلوبهم غير منقطعة من رجائه ومخافته.
لم تنقطع أسباب الشفقة منهم ، فينوا في جدّهم (٣) ، ولم تأسرهم الأطماع فيؤثروا وشيك السعي على اجتهادهم (٤) ، ولم يستعظموا ما مضى من أعمالهم ؛ ولو استعظموا ذلك لنسخ الرجاء منهم شفقات وجلهم (٥) ، ولم يختلفوا في ربّهم باستحواذ الشيطان عليهم ، ولم يفرّقهم سوء التقاطع ، ولا تولّاهم غلّ التحاسد ، ولا أشعبتهم مصارف الريب ، ولا اقتسمتهم أخياف الهمم (٦) ، فهم اسراء إيمان لم يفكّهم من ربقته زيغ ، ولا عدول ولا ونىّ ولا فتور ، وليس في أطباق السماء موضع إهاب (٧) إلّا وعليه ملك ساجد ، أو ساع حافد ؛ يزدادون على طول الطاعة بربّهم علما ، وتزداد عزّة ربّهم في قلوبهم عظما.
__________________
(١) ـ يمموه : قصدوه.
(٢) ـ هامش النسخة : «استهتر بالأمر : أعجبه وتظاهر به».
(٣) ـ ونى ، يني : تأنى. فينوا : فيضعفوا.
(٤) ـ وشيك السعي : مقاربه وهينه.
في هامش النسخة : «أي يؤثروا ما قرب السعي في تحصيله على ما يستعدونه من تحصيل السعادة الاخرويّة».
(٥) ـ أي ولو استعظموا أعمالهم لأذهب خوفهم رجاءهم بها.
(٦) ـ الأخياف : جمع خيف ؛ وهو ما انحدر من سفح الجبل. والمراد هنا سواقط الهمم. وفي هامش النسخة : «أي مختلفاتها. واحده : أخيف».
(٧) ـ الإهاب : جلد الحيوان.
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ١ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3440_ilm-alyaqin-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)