فصل (١) [٢١]
[حكم وجود الآلام وأكل الحيوانات جثث الموتى]
ومن عناية الله ـ عزوجل ـ ولطفه أن جعل في جبلّة الحيوانات الآلام والأوجاع والجوع والعطش ، حثّا لنفوسها على حفظ أجسادها من الآفات العارضة لها ، إذ كانت الأجساد لا تقدر على جرّ منفعة ودفع مضرّة ، فلو لا ذلك لتهاونت النفوس بالأجساد ، وأسلمتها إلى المهالك قبل فناء أعمارها وتقارب آجالها ، ولمّا علم أنّه لا يدوم بقاؤها أبد الآبدين ، جعل لكلّ منها عمرا طبيعيّا أكثر ما يمكن ، ثمّ يجيئه الموت الطبيعي ـ شاء أم أبى ـ.
وقد علم الله أنّه يموت كلّ يوم منها ـ في البرّ والبحر ، والسهل والجبل ـ عدد لا يحصيه إلّا هو ، فجعل بواجب حكمته جثث جيف موتاها غذاء لأحيائها ، ومادّة لبقائها ، لئلّا يضيع شيء ممّا خلق بلا نفع وفائدة ، فكان في هذا منفعة للأحياء ، ولم يكن فيه ضرر على الموتى ؛ وهذا أحد وجوه الحكمة في أكل بعض الحيوانات بعضا.
ومن جملة تلك الوجوه : أنّه لو لم يكن الأحياء تأكل جثث الموتى لبقيت تلك الجثث واجتمع منها على مرّ الأيام والدهور ما كاد يمتلئ بها وجه الأرض وقعر البحار ، وتفسد المياه وريحها ؛ فتصير تلك سبب هلاك الأحياء.
فالغرض الأصلي من ذلك إنّما هو جلب المنفعة ودفع المضرّة ؛ وإن
__________________
(١) ـ عين اليقين : ٣٥٢.
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ١ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3440_ilm-alyaqin-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)