وكما أنّ الكلام ليس جزء المتكلّم ـ بل فعله وعمله ، أظهره بعد ما لم يكن ـ وكذا النور الذي يرى في الجوّ ، ليس بجزء الشمس ، بل هو انبجاس وفيض منها. فهكذا الحكم في وجود العالم عن الباري ـ جلّ ثناؤه ـ ليس بجزء من ذاته ، بل فضل وفيض يتفضّل به ويفيض.
إلّا أنّ الشمس لم تقدر أن تمنع نورها وفيضها ، لأنّها مطبوعة على ذلك ؛ بخلافه ـ عزوجل ـ فإنّه مختار في أفعاله بنحو من الاختيار أجلّ وأرفع ممّا يتصوّره الجهّال ، وأشدّ وأقوى من اختيار مثل المتكلّم القادر على الكلام ـ إن شاء تكلّم وإن شاء سكت ـ فهو عزوجل إن شاء أفاض جوده وفضله وأظهر حكمته ، وإن شاء أمسك ؛ ولو أمسك طرفة عين عن الإفاضة والتوجّه ، لتهافتت السماوات ، وبادت الأفلاك ، وتساقطت الكواكب ، وعدمت الأركان ، وهلكت الخلائق ، ودثر العالم دفعة واحدة ، بلا زمان ؛ كما قال عزوجل : (إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ) [٣٥ / ٤١].
![علم اليقين في أصول الدين [ ج ١ ] علم اليقين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3440_ilm-alyaqin-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)