سورة البيّنة
وتسمى سورة لم يكن (١). وفيها قولان : أحدهما : أنها مدنيّة ، قاله الجمهور. والثاني : مكّيّة ، قاله أبو صالح عن ابن عباس ، واختاره يحيى بن سلام.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨))
قوله عزوجل : (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) يعني اليهود والنّصارى (وَالْمُشْرِكِينَ) أي : ومن المشركين ، وهم عبدة الأوثان (مُنْفَكِّينَ) أي : منفصلين وزائلين ـ يقال : فككت الشيء ، فانفكّ ، أي : انفصل ـ والمعنى : لم يكونوا زائلين عن كفرهم وشركهم (حَتَّى تَأْتِيَهُمُ) أي : أتتهم ، فلفظه لفظ المستقبل ، ومعناه الماضي. و (الْبَيِّنَةُ) الرّسول ، وهو محمّد صلىاللهعليهوسلم وذلك أنه بيّن لهم ضلالهم وجهلهم. وهذا بيان عن نعمة الله على من آمن من الفريقين إذ أنقذهم. وذهب بعض المفسّرين إلى أنّ معنى الآية : لم يختلفوا أنّ الله يبعث إليهم نبيّا حتى بعث فافترقوا. وقال بعضهم : لم يكونوا ليتركوا منفكّين عن حجج الله حتى أقيمت عليهم البيّنة ، والوجه هو الأول. والرسول هاهنا محمّد صلىاللهعليهوسلم. ومعنى (يَتْلُوا صُحُفاً) أي : ما تضمّنته الصّحف من المكتوب فيها ، وهو القرآن. ويدلّ على ذلك أنه كان يتلو القرآن عن ظهر قلبه لا من كتاب. ومعنى «مطهّرة» أي : من الشّرك والباطل. (فِيها) أي : في الصّحف (كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) أي : عادلة مستقيمة تبيّن الحقّ من الباطل ، وهي الآيات. قال مقاتل : وإنما قيل لها : كتب لما جمعت من أمور شتّى.
__________________
(١) أخرج البخاري ٤٩٥٩ و ٤٩٦٠ ومسلم ٧٩٩ والترمذي ٣٧٩٢ وأحمد ٣ / ٨٥ وابن سعد ٢ / ٣٤٠ وعبد الرزاق ٢٠٤١١ وأبو يعلى ٢٩٩٥ وابن حبان ٧١٤٤ من حديث أنس أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال لأبيّ بن كعب : «إن الله قد أمرني أن أقرأ عليك (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا) ، قال : وسماني لك؟ قال نعم ، فبكى».
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
