رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ) أي : يرصد من كفر به بالعذاب ، والمرصد : الطريق ، وقد شرحناه في قوله عزوجل : (كانَتْ مِرْصاداً) (١).
(فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠))
قوله عزوجل : (فَأَمَّا الْإِنْسانُ) فيمن عنى به أربعة أقوال : أحدها : عتبة بن ربيعة ، وأبو حذيفة بن المغيرة ، رواه عطاء عن ابن عباس. والثاني : أبيّ بن خلف ، قاله ابن السّائب. والثالث : أميّة بن خلف ، قاله مقاتل. والرابع : أنه الكافر الذي لا يؤمن بالبعث ، قال الزّجّاج : وابتلاه بمعنى اختبره بالغنى واليسر (فَأَكْرَمَهُ) بالمال (وَنَعَّمَهُ) بما وسّع عليه من الإفضال (فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ) فتح ياء «ربي» «أكرمني» «ربي» أهانني» أهل الحجاز ، وأبو عمرو ، أي : فضّلني بما أعطاني ، ويظنّ إنما ، أعطاه من الدنيا لكرامته عليه (وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ) بالفقر (فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ) وقرأ أبو جعفر ، وابن عامر «فقدّر» بتشديد الدال ، والمعنى : ضيّق عليه بأن جعله على مقدار البلغة (فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ) أي هذا الهوان منه لي حين أذلّني بالفقر.
وأعلم أنّ من لا يؤمن بالبعث ، فالكرامة عنده زيادة الدنيا ، والهوان قلّتها.
قوله عزوجل : (كَلَّا) أي : ليس الأمر كما ظنّ. قال مقاتل : ما أعطيت من أغنيت هذا الغنيّ لكرامته عليّ ، ولا أفقرت من أفقرت لهوانه عليّ. وقال الفرّاء : المعنى : لم يكن ينبغي له أن يكون هكذا ، إنما ينبغي أن يحمد الله على الأمرين : الفقر ، والغنى. ثم أخبر عن الكفّار فقال عزوجل : (بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) قرأ أهل البصرة «يكرمون» و«يحضّون» و«يأكلون» و«يحبّون» بالياء فيهن ، والباقون بالتاء. ومعنى الآية : إني أهنت من أهنت من أجل أنه لا يكرم اليتيم. والآية تحتمل معنيين : أحدهما : أنهم كانوا لا يبرّونه. والثاني : لا يعطونه حقّه من الميراث ، وكذلك كانت عادة الجاهلية لا يورّثون النساء ولا الصبيان. ويدل على المعنى الأول قوله عزوجل : (وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ) وقرأ أبو جعفر ، وأهل الكوفة «تحاضون» بألف مع فتح التاء. وروى الشّيزري عن الكسائيّ كذلك إلّا أنه ضمّ التاء. والمعنى : لا يأمروه بإطعامه لأنهم لا يرجون ثواب الآخرة. ويدل على المعنى قوله عزوجل : (وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا) قال ابن قتيبة : التّراث : الميراث ، والتاء فيه منقلبة عن واو ، كما قالوا : تجاه ، والأصل : وجاه ، وقالوا : تخمة ، والأصل : وخمة. و (لَمًّا) أي : شديدا ، وهو من قولك : لممت بالشيء : إذا جمعته ، وقال الزّجّاج : هو ميراث اليتامى.
__________________
(١) النبأ : ٢١.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
