والثالث : فقدّره على الاستواء ، قاله الزّجّاج.
قوله : (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) فيه قولان (١) : أحدهما : سهّل له العلم بطريق الحقّ والباطل ، قاله الحسن ، ومجاهد. قال الفرّاء. والمعنى : ثم يسّره للسبيل. والثاني : يسّر له السبيل في خروجه من بطن أمّه ، قاله السّدّيّ ، ومقاتل ، قوله عزوجل : (فَأَقْبَرَهُ) قال الفرّاء : أي جعله مقبورا ، ولم يجعله ممّن يلقى للسّباع والطير ، فكأنّ القبر مما أكرم به المسلم. ولم يقل : قبره ، لأنّ القابر هو الدّافن بيده. والمقبر الله ، لأنه صيّره مقبورا. فليس فعله كفعل الآدمي. والعرب تقول : بترت ذنب البعير ، والله أبتره. وعضبت قرن الثّور ، والله أعضبه وطردت فلانا عني ، والله أطرده ، أي : صيّره طريدا. وقال أبو عبيدة : أقبره : أي أمر أن يقبر ، وجعل له قبرا. قالت بنو تميم لعمر بن هبيرة لمّا قتل صالح بن عبد الرّحمن : أقبرنا صالحا ، فقال : دونكموه. والذي يدفن بيده هو القابر. قال الأعشى :
|
لو أسندت ميتا إلى نحرها |
|
عاش ولم يسلم إلى قابر (٢) |
قوله عزوجل : (ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ) أي : بعثه. يقال : أنشر الله الموتى فنشروا ، ونشر الميّت : حيي هو بنفسه ، واحدهم ناشر. قال الأعشى :
|
حتّى يقول النّاس ممّا رأوا |
|
يا عجبا للميّت النّاشر |
قوله عزوجل : (كَلَّا) قال الحسن : حقّا (لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ) به ربّه ، ولم يؤدّ ما فرض عليه. وهل هذا عامّ أم خاصّ؟ فيه قولان (٣) : أحدهما : أنه عامّ. قال مجاهد : لا يقضي أحد أبدا كلّ ما افترض الله عليه. والثاني : أنه خاصّ للكافر لم يقض ما أمر به من الإيمان والطاعة ، وقاله يحيى بن سلام ولمّا ذكر خلق ابن آدم ، ذكر رزقه ليقبو ويسد بالنّبات على البعث ، فقال عزوجل : (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ) قال مقاتل : يعني به عتبة بن أبي لهب. ومعنى الكلام : فلينظر الإنسان كيف خلق الله طعامه الذي جعله سببا لحياته؟ ثم بيّن فقال عزوجل : (أَنَّا) قرأ ابن كثير ، ونافع ؛ وأبو عمرو ، وابن عامر «إنا» بالكسر. وقرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائيّ (أَنَّا صَبَبْنَا) بفتح الهمزة في الوصل وفي الابتداء ، ووافقهم رويس على فتحها في الوصل ، فإذا ابتدأ كسر. قال الزّجّاج : من كسر «إنا» فعلى الابتداء والاستئناف ، ومن فتح ، فعلى البدل من الطعام ، المعنى : فلينظر الإنسان إلى أنّا صببنا. قال المفسّرون : أراد بصبّ الماء : المطر
__________________
(١) قال ابن كثير رحمهالله في «تفسيره» ٤ / ٥٥٧ : قال العوفي ، عن ابن عباس : ثم يسّر عليه خروجه من بطن أمه ، واختاره ابن جرير. وقال مجاهد : هذه كقوله (إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) أي وضحناه وبيناه وسهلنا عليه علمه وهذا هو الأرجح.
(٢) البيت للأعشى الكبير ميمون بن قيس ، ديوانه ١٣٩ من قصيدة يهجو بها علقمة بن علاثة ويمدح عامر بن الطفيل.
(٣) قال ابن كثير رحمهالله في «تفسيره» ٤ / ٥٥٧ : قال ابن جرير : كلا ، ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر ، من أنه قد أدى حقّ الله عليه في نفسه وماله ، (لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ) يقول : لم يؤد ما فرض عليه من الفرائض لربه عزوجل ، ولم أجد للمتقدمين فيه كلاما سوى هذا. والذي يقع لي في معنى ذلك ـ والله أعلم ـ أن المعنى : (ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ) أي : بعثه (كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ) : لا يفعله الآن حتى تنقضي المدة ، ويفرغ القدر من بني آدم ممن كتب تعالى أن سيوجد منهم ويخرج إلى الدنيا ، وقد أمر به تعالى كونا وقدرا ، فإذا تناهى لذلك عند الله أنشر الله الخلائق وأعادهم كما بدأهم.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
