قوم : السماء ليس ممّا توصل ، ولكن المعنى : أأنتم أشدّ خلقا ؛ أم السماء أشدّ خلقا. ثم بيّن كيف خلقها ، فقال عزوجل (بَناها) قال المفسّرون : أخلقكم بعد الموت أشد عندكم ، أم السماء في تقديركم؟ وهما في قدرة الله واحد. ومعنى : «بناها» رفعها. وكلّ شيء ارتفع فوق شيء فهو بناء. ومعنى (رَفَعَ سَمْكَها) رفع ارتفاعها وعلوّها في الهواء (فَسَوَّاها) بلا شقوق ، ولا فطور ، ولا تفاوت ، يرتفع فيه بعضها على بعض (وَأَغْطَشَ لَيْلَها) أي : أظلمه فجعله مظلما. قال الزّجّاج : يقال : غطش الليل وأغطش ، وغبش وأغبش ، وغسق وأغسق ، وغشي وأغشى ، كلّه بمعنى أظلم.
قوله عزوجل : (وَأَخْرَجَ ضُحاها) أي : أبرز نهارها. والمعنى : أظهر نورها بالشمس. وإنما أضاف النّور والظّلمة إلى السماء لأنهما عنها يصدران (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ) أي : بعد خلق السماء (دَحاها) أي : بسطها. وبعض من يقول : إنّ الأرض خلقت قبل السماء يزعم أنّ «بعد» هاهنا بمعنى «قبل» ، كقوله تعالى : (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) (١) وبعضهم يقول : هي بمعنى «مع» ، كقوله عزوجل : (عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ) (٢) ، ولا يمتنع أن تكون الأرض خلقت قبل والسماء ، ثم دحيت بعد كمال السماء ، وهذا مذهب عبد الله بن عمرو بن العاص. وقد أشرنا إلى هذا الخلاف في البقرة (٣). ونصبت الأرض بمضمر تفسيره قوله عزوجل : (دَحاها).
(أَخْرَجَ مِنْها ماءَها) أي : فجّر العيون منها (وَمَرْعاها) وهو ما يأكله الناس والأنعام (وَالْجِبالَ أَرْساها) قال الزّجّاج : أي : أثبتها (مَتاعاً لَكُمْ) أي : للإمتاع ، لأنّ معنى أخرج منها ماءها ومرعاها : أمتع بذلك. وقال ابن قتيبة : «متاعا لكم» أي : منفعة.
(فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦))
قوله عزوجل : (فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى) والطّامّة : الحادثة التي تطمّ على ما سواها ، أي : تعلو فوقه ، وفي المراد بها هاهنا ثلاثة أقوال : أحدها : النّفخة الثانية التي فيها البعث. والثاني : أنها حين يقال لأهل النار : قوموا إلى النار. والثالث : أنها حين يساق أهل الجنّة إلى الجنّة ، وأهل النار إلى النار.
قوله عزوجل : (يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى) أي : ما عمل من خير وشرّ (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى) أي : لأبصار الناظرين. قال مقاتل : يكشف عنها الغطاء فينظر إليها الخلق. وقرأ أبو مجلز ، وابن السّميفع «لمن ترى» بالتاء. وقرأ ابن عباس ، ومعاذ القارئ «لمن رأى» بهمزة بين الراء والألف.
قوله تعالى : (فَأَمَّا مَنْ طَغى) في كفره (وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا) على الآخرة (فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى) قال الزّجّاج : أي هي المأوى له. وهذا جواب (فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ) فإنّ الأمر كذلك.
قوله عزوجل : (وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ) قد ذكرناه في سورة الرّحمن (٤).
__________________
(١) الأنبياء : ١٠٥.
(٢) القلم : ١٣.
(٣) البقرة : ٢٩.
(٤) الرحمن : ٤٦.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
