عباس ، وبه قال الحسن ، وقتادة ، وابن زيد. والثاني : أنها المتتابعة. رواه مجاهد عن ابن عباس ، وبه قال ابن جبير. وعن مجاهد كالقولين. والثالث : أنها الصّافية ، قاله عكرمة.
قوله عزوجل : (لا يَسْمَعُونَ فِيها) أي : في الجنة إذا شربوها (لَغْواً) وقد ذكرناه في الطّور (١) وغيرها ، (وَلا كِذَّاباً) أي : لا يكذّب بعضهم بعضا ، لأنّ أهل الدنيا إذا شربوا الخمر تكلّموا بالباطل وأهل الجنّة منزّهون عن ذلك. قال الفرّاء. وقراءة عليّ رضي الله عنه «كذّابا» بالتخفيف ، كأنه ـ والله أعلم ـ لا يتكاذبون فيها. وكان الكسائيّ يخفّف هذه ويشدّد ، «وكذّبوا بآياتنا كذّابا» لأنّ «كذّبوا» يقيّد «الكذاب» بالمصدر ، وهذه ليست مقيّدة بفعل يصيّرها مصدرا ، وقد ذكرنا عن أبي عبيدة أنّ الكذاب بالتشديد والتخفيف مصدر المكاذبة. وقال أبو عليّ الفارسي : «الكذاب» بالتخفيف مصدر «كذب» ، مثل «الكتاب» مصدر «كتب».
قوله عزوجل : (جَزاءً) قال الزّجّاج : المعنى : جازاهم بذلك جزاء ، وكذلك (عَطاءً) لأنّ معنى أعطاهم وجازاهم واحد. و (حِساباً) معناه : ما يكفيهم ، أي : فيه كلّ ما يشتهون. يقال : أحسبني كذا بمعنى كفاني. (رَبِّ السَّماواتِ) قرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، والمفضّل «ربّ السموات والأرض وما بينهما الرحمن» برفع الباء من «ربّ» والنون من الرّحمن على معنى : هو ربّ السموات. وقرأ عاصم ، وابن عامر بخفض الباء والنون على الصفة من «ربّك». وقرأ حمزة والكسائيّ بكسر الباء ورفع النون ، واختار هذه القراءة الفرّاء. ووافقه على هذا جماعة ، وعلّلوا بأنّ الربّ قريب من المخفوض ، والرحمن بعيد منه.
قوله عزوجل : (لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً) فيه قولان : أحدهما : لا يملكون الشفاعة إلّا بإذنه قاله ابن السّائب. والثاني : لا يقدر الخلق أن يكلّموا الربّ إلّا بإذنه ، قاله مقاتل.
قوله تعالى : (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ) فيه سبعة أقوال (٢) :
(١٥١١) أحدها : أنه جند من جند الله تعالى ، وليسوا بملائكة ، رواه ابن عباس عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم. وقال مجاهد : هم خلق على صورة بني آدم يأكلون ويشربون.
والثاني : أنه ملك أعظم من السموات والجبال ، والملائكة ، قاله ابن مسعود ، ومقاتل بن سليمان. وروى عطاء عن ابن عباس قال : الرّوح : ملك ما خلق الله ملكا أعظم منه ، فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفّا ، وقامت الملائكة كلّهم صفّا واحدا ، فيكون عظم خلقه مثل صفوفهم.
____________________________________
(١٥١١) باطل ، أخرجه أبو الشيخ في «العظمة» ٤١٢ من حديث ابن عباس ، وفي إسناده مجاهيل والمتن منكر ، ولو صح لما اختلف المفسرون في معنى الروح في هذه الآية. وانظر «الجامع لأحكام القرآن» ٦٢٣٣ بتخريجنا.
__________________
(١) الطور : ٢٣.
(٢) قال الطبري رحمهالله في «تفسيره» : والصواب من القول أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر أن خلقه لا يملكون منه خطابا يوم يقوم الروح ، والروح : خلق من خلقه وجائز أن يكون بعض الأشياء التي ذكرت. والله أعلم أي ذلك هو. وقال ابن كثير رحمهالله في «تفسيره» ٤ / ٥٤٩ : هو جبريل ، قاله الشعبي وسعيد بن جبير ويستشهد لهذا القول ، بقوله : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) وتوقف ابن جرير فلم يقطع بواحد من هذه الأقوال كلها ، والأشبه ـ والله أعلم ـ أنهم بنو آدم.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
