الزّجّاج : إنما قيل للسّحاب : معصرات ، كما قيل : أجزّ الزّرع ، فهو مجزّ ؛ أي : صار إلى أن يجزّ ، فكذلك السحاب إذا صار إلى أن يمطر فقد أعصر.
قوله عزوجل : (ماءً ثَجَّاجاً) قال مقاتل : أي : مطرا كثيرا منصبّا يتبع بعضه بعضا. وقال غيره : يقال : ثجّ الماء يثجّ : إذا انصبّ (لِنُخْرِجَ بِهِ) أي : بذلك الماء (حَبًّا وَنَباتاً) وفيه قولان :
أحدهما : أنّ الحبّ : ما يأكله الناس ، والنبات : ما تنبته الأرض مما يأكل الناس والأنعام ، هذا قول الجمهور. قال الزّجّاج : كلّ ما حصد حبّ ، وكلّ ما أكلته الماشية من الكلإ ، فهو نبات.
والثاني : أنّ الحبّ : اللؤلؤ ، والنبات : العشب. قال عكرمة : ما أنزل الله من السّماء قطرا ، إلّا نبت به في البحر لؤلؤا ، وفي الأرض عشبا.
قوله عزوجل : (وَجَنَّاتٍ) يعني : بساتين (أَلْفافاً) قال أبو عبيدة : أي : ملتفّة من الشجر ليس بينها خلال ، الواحدة : لفّاء ، وجنّات لفّ ، وجمع الجمع : ألفاف. قال المفسّرون : فدلّ بذكر المخلوقات على البعث. ثم أخبر عن يوم القيامة فقال عزوجل : (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ) أي : يوم القضاء بين الخلائق (كانَ مِيقاتاً) لمّا وعد الله من الثواب والعقاب. (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ) من قبوركم (أَفْواجاً) أي : زمرا زمرا من كلّ مكان (وَفُتِحَتِ السَّماءُ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر «وفتّحت» بالتشديد. وقرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائيّ بالتخفيف ، وإنما تفتح لنزول الملائكة (فَكانَتْ أَبْواباً) أي : ذات أبواب (وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ) عن أماكنها (فَكانَتْ سَراباً) أي : كالسّراب ، لأنها تصير هباء منثورا فيراها الناظر كالسّراب بعد شدّتها وصلابتها (إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً) قال المبرّد : مرصادا يرصدون به ، أي : هو معدّ لهم يرصد بها خزنتها الكفّار. وقال الأزهريّ : المرصاد : المكان الذي يرصد فيه الراصد العدوّ. ثم بيّن لمن هي مرصاد فقال عزوجل : (لِلطَّاغِينَ) قال ابن عباس : للمشركين (مَآباً) أي : مرجعا.
قوله عزوجل : (لابِثِينَ) وقرأ حمزة «لبثين» والمعنى : فيهما واحد. يقال : هو لابث بالمكان ، ولبث. ومثله طامع ، وطمع ، وفاره ، وفره. وأما الأحقاب فجمع حقب ، وقد ذكرنا الاختلاف فيه في الكهف (١).
فإن قيل : ما معنى ذكر الأحقاب ، وخلودهم في النار لا نفاد له؟ فعنه جوابان :
أحدهما : أنّ هذا لا يدل على غاية ، لأنه كلّما مضى حقب تبعه حقب ولو أنه قال : (لابِثِينَ فِيها) عشرة أحقاب أو خمسة دلّ على غاية ، هذا قول ابن قتيبة ، والجمهور. وبيانه أنّ زمان أهل الجنة والنار يتصوّر دخوله تحت العدد ، وإن لم يكن له غاية. كقوله : بكرة وعشيا ، مثل هذا أنّ كلمات الله تعالى داخلة تحت العدد وإن لم تكن لها نهاية.
والثاني : أنّ المعنى : أنهم يلبثون فيها أحقابا (لا يَذُوقُونَ) في الأحقاب (بَرْداً وَلا شَراباً) فأمّا خلودهم في النار فدائم. هذا قول الزّجّاج. وبيانه أنّ الأحقاب حدّ لعذابهم بالحميم والغسّاق ، فإذا انقضت الأحقاب عذّبوا بغير ذلك من العذاب.
__________________
(١) الكهف : ٦٠.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
