جلودهم عرق مثل رشح المسك.
قوله عزوجل : (إِنَّ هذا) يعني : ما وصف من نعيم أهل الجنّة (كانَ لَكُمْ جَزاءً) بأعمالكم (وَكانَ سَعْيُكُمْ) أي : عملكم في الدنيا بطاعة الله (مَشْكُوراً) قال عطاء : يريد : شكرتكم عليه ، وأثيبكم عليه أفضل الثواب (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً) ، أي : فصّلناه في الإنزال ، فلم ننزله جملة واحدة (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) قد سبق بيانه في مواضع (١). والمفسّرون يقولون : هو منسوخ بآية السيف ، ولا يصحّ ، قوله : (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ) أي : من مشركي أهل مكّة (آثِماً أَوْ كَفُوراً) «أو» بمعنى الواو ، كقوله : (أَوِ الْحَوايا) (٢). وقد سبق بيان هذا.
وللمفسّرين في المراد بالآثم وفي الكفور ثلاثة أقوال : أحدها : أنهما صفتان لأبي جهل. والثاني : أنّ الآثم : عتبة بن ربيعة ، والكفور الوليد بن المغيرة. والثالث : الآثم : الوليد. والكفور : عتبة ، وذلك أنهما قالا له : ارجع عن هذا الأمر ونحن نرضيك بالمال والتزويج. قوله (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ) أي : اذكره بالتوحيد في الصلاة (بُكْرَةً) يعني : الفجر (وَأَصِيلاً) يعني : العصر. وبعضهم يقول : الظّهر والعصر (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ) يعني : المغرب والعشاء. (وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً) وهي : صلاة الليل كلّ فريضة عليه ، وهي لأمّته تطوّع (إِنَّ هؤُلاءِ) يعني : كفّار مكّة (يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ) أي يعني : الدّار العاجلة ، وهي الدنيا (وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ) يعني : أمامهم (يَوْماً ثَقِيلاً) أي : عسيرا شديدا. والمعنى : أنهم يتركون الإيمان به ، والعمل له. ثم ذكر قدرته ، فقال عزوجل : (نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ) أي : خلقهم ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، والفرّاء ، وابن قتيبة ، والزّجّاج. قال ابن قتيبة : يقال : امرأة حسنة الأسر ، أي : حسنة الخلق كأنها أسرت أي : شدّت. وأصل هذا من الإسار ، وهو : القدّ. الذي تشد به الأقتاب يقال : ما أحسن ما أسر قتبه ، أي : ما أحسن ما شدّه بالقد. وروي عن أبي هريرة قال : مفاصلهم. وعن الحسن قال : أوصالهم بعضا إلى بعض بالعروق والعصب ، قوله : (وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ) أي : إذا شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم ، فجعلناهم بدلا منهم (إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ) وقد شرحنا الآية في المزّمّل (٣).
قوله عزوجل : (وَما تَشاؤُنَ) إيجاد السبيل (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) ذلكم ، وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، «وما يشاءون» بالياء.
قوله عزوجل : (يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ) قال المفسّرون : والرّحمة هاهنا : الجنّة (وَالظَّالِمِينَ) المشركين. قال أبو عبيدة : نصب «الظالمين» بالجوار ، المعنى : ولا يدخل الظالمين في رحمته. وقال الزّجّاج : إنما نصب «الظالمين» لأنّ قبله منصوبا. المعنى : يدخل من يشاء في رحمته ، ويعذّب الظالمين ، فيكون قوله عزوجل : (أَعَدَّ لَهُمْ) تفسيرا لهذا المضمر ، وقرأ أبو العالية ، وأبو الجوزاء ، وابن أبي عبلة «والظالمون» رفعا.
__________________
(١) الطور : ٤٨ ، والقلم : ٤٨.
(٢) الأنعام : ١٤٦.
(٣) المزمل : ١٩.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
