(١٥٠٥) روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان النبيّ صلىاللهعليهوسلم يعالج من التنزيل شدة ، وكان يشتدّ عليه حفظه ، وكان إذا نزل عليه الوحي يحرّك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي ، مخافة أن لا يحفظه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. معناها : لا تحرّك بالقرآن لسانك لتعجل بأخذه (إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) قال ابن قتيبة : أي : ضمّه وجمعه في صدرك (فَإِذا قَرَأْناهُ) أي : جمعناه (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) أي : جمعه. قال المفسّرون : يعني : اقرأه إذا فرغ جبريل من قراءته (١). قال ابن عباس : فاتّبع قرآنه ، أي : اعمل به. وقال قتادة : فاتّبع حلاله وحرامه (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ) فيه أربعة أقوال : أحدها : نبيّنه بلسانك ، فتقرؤه كما أقرأك جبريل. وكان إذا أتاه جبريل أطرق ، فإذا ذهب ، قرأه كما وعده الله ، قاله ابن عباس. والثاني : إنّ علينا أن نجزي به يوم القيامة بما فيه من وعد ووعيد ، قاله الحسن. والثالث : إنّ علينا بيانه : ما فيه من الأحكام ، والحلال ، والحرام ، قاله قتادة. والرابع : علينا أن ننزّله قرآنا عربيا ، فيه بيان للناس ، قاله الزّجّاج.
قوله عزوجل : (كَلَّا) قال عطاء : أي : لا يؤمن أبو جهل بالقرآن وبيانه ، وقال ابن جرير : والمعنى : ليس الأمر كما تقولون من أنكم لا تبعثون ، ولكن دعاكم إلى قيل ذلك محبّتكم للعاجلة.
قوله عزوجل : (بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ) قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو «بل يحبون العاجلة ويذرون» بالياء فيهما. وقرأ الباقون بالتاء فيهما. والمراد : كفار مكّة ، يحبّونها ويعملون لها «ويذرون الآخرة» أي : يتركون العمل إيثارا للدنيا عليها.
قوله عزوجل : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ) أي : مشرقة بالنّعم (إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) روى عطاء عن ابن عباس قال : إلى الله ناظرة. قال الحسن : حقّ لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق ، وهذا مذهب عكرمة. ورؤية الله عزوجل حقّ لا شكّ فيها. والأحاديث صحيحة صحاح ، قد ذكرت جملة منها في «المغني» و«الحدائق».
قوله عزوجل : (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ) قال ابن قتيبة : أي : عابسة مقطّبة.
قوله عزوجل : (تَظُنُ) قال الفرّاء : أي : تعلم ، و«الفاقرة» يقال : إنه الدّاهية. قال ابن قتيبة : إنه من فقارة الظّهر ، كأنها تكسره ، يقال : فقرت الرجل إذا كسرت فقاره ، كما يقال : رأسته : إذا ضربت رأسه ، وبطنته : إذا ضربت بطنه. قال ابن زيد : والفاقرة : دخول النار. قال ابن السّائب : هي أن تحجب عن ربّها ، فلا تنظر إليه.
____________________________________
(١٥٠٥) صحيح. أخرجه البخاري ٤٩٢٩ والبغوي في «التفسير» ٢٢٩٧ بترقيمنا عن قتيبة بن سعيد بن عن ابن عباس.
وأخرجه البخاري ٥ و ٤٩٢٧ و ٤٩٢٨ و ٥٠٤٤ و ٧٥٢٤ ومسلم ٤٤٨ والترمذي ٣٣٢٩ والنسائي في «التفسير» ٦٥٤ من طريق موسى بن أبي عائشة به.
__________________
(١) قال ابن العربي رحمهالله في «الأحكام» ٤ / ٣٤٩ : فكان رسول الله صلىاللهعليهوسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع ، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلىاللهعليهوسلم كما ثبت في الصحيح. وهذا يعضد ما تقدم في سورة المزمل من قوله : (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) أن قراءته صلىاللهعليهوسلم كان يمد صوته مدّا. وهذا المعنى صحيح. وذلك أن المتلقن من حكمه الأوكد أن يصغي إلى الملقن بقلبه ولا يستعين بلسانه ، فيشترك الفهم بين القلب واللسان ، فيذهب روح التحصيل بينهما ، ويخزل اللسان بتجرد القلب للفهم ، فيتيسر التحصيل ، وتحريك اللسان يجرد القلب عن الفهم ، فيتعسر التحصيل بعادة الله التي يسّرها.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
