إلّا يلوم نفسه على كلّ حال. والثالث : أنها جميع النفوس. قال الفرّاء : ليس من نفس برّة ولا فاجرة إلّا وهي تلوم نفسها ، إن كانت عملت خيرا قالت : هلّا زدت. وإن كانت عملت سوءا قالت : ليتني لم أفعل (١). قوله عزوجل : (أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) المراد بالإنسان هاهنا : الكافر.
وقال ابن عباس : يريد أبا جهل.
(١٥٠٤) وقال مقاتل : عديّ بن ربيعة وذلك أنه قال : أيجمع الله هذه العظام؟ فقال النبيّ صلىاللهعليهوسلم له : «نعم» ، فاستهزأ منه ، فنزلت هذه الآية. قال ابن الأنباري : وجواب القسم محذوف ؛ كأنه : ليبعثنّ ليحاسبنّ ، فدلّ قوله عزوجل : (أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) على الجواب ، محذوف.
وقوله عزوجل : (بَلى) وقف حسن. ثم يبتدأ (قادِرِينَ) على معنى : بلى نجمعها قادرين ، ويصلح نصب «قادرين» على التكرير : بلى فليحسبنا قادرين (عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ) وفيه قولان : أحدهما : أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخفّ البعير ، وحافر الحمار ، فيعدم الارتفاق بالأعمال اللطيفة ، كالكتابة والخياطة ، هذا قول الجمهور. والثاني : نقدر على تسوية بنانه كما كانت ، وإن صغرت عظامها ، ومن قدر على جمع صغار العظام ، كان على جمع كبارها أقدر ، هذا قول ابن قتيبة ، والزّجّاج. وقد بيّنا معنى البنان في الأنفال (٢).
قوله عزوجل : (بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ) فيه قولان : أحدهما : يكذّب بما أمامه من البعث والحساب ، قاله ابن عباس. والثاني : يقدّم الذّنب ويؤخّر التوبة ، ويقول : سوف أتوب ، قاله سعيد بن جبير. فعلى هذا : يكون المراد بالإنسان : المسلم. وعلى الأول : الكافر.
قوله عزوجل : (يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ) أي : متى هو؟ تكذيبا به ، وهذا هو الكافر ، (فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ) قرأ أهل المدينة ، وأبان عن عاصم «برق» بفتح الراء ، والباقون بكسرها : قال الفرّاء : العرب تقول : برق البصر يبرق ، وبرق يبرق : إذا رأى هولا يفزع منه. و«برق» أكثر وأجود. قال الشاعر :
|
فنفسك فانع ولا تنعني |
|
وداو الكلوم ولا تبرق (٣) |
بالفتح. يقول : لا تفزع من هول الجراح التي بك. قال المفسّرون : يشخص بصر الكافر يوم القيامة ، فلا يطرف لما يرى من العجائب التي كان يكذّب بها في الدنيا. وقال مجاهد : برق البصر عند الموت.
قوله عزوجل : (وَخَسَفَ الْقَمَرُ) قال أبو عبيدة : خسف وكسف بمعنى واحد ، أي : ذهب ضوءه.
____________________________________
(١٥٠٤) لا أصل له. ذكره الواحدي في «أسباب النزول» ٨٤٣ بدون إسناد. وقال الحافظ في «تخريج الكشاف» ٤ / ٦٥٩ : ذكره الثعلبي والبغوي والواحدي بغير إسناد. فالخبر باطل لا أصل له ، ولم ينسبه هؤلاء إلى قائل ، ولم يذكره السيوطي في «الدر» ولا في «أسباب النزول» ولا ذكره الطبري ، وكل ذلك دليل على وضعه ، والله أعلم. وانظر «الجامع لأحكام القرآن» ٦١٨١.
__________________
(١) قال الطبري رحمهالله في «تفسيره» ١٢ / ٣٢٧ : وهذه الأقوال التي ذكرناها عن ـ النفس اللوامة ـ وإن اختلفت بها ألفاظ قائليها ، فمتقاربات المعاني ، وأشبه القول في ذلك بظاهر التنزيل أنها تلوم صاحبها على الخير والشر ، وتندم على ما فات.
(٢) الأنفال : ١٢.
(٣) البيت لطرفة بن العبد ، في ديوانه : ٢١٨ ، و«اللسان» ـ برق.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
