خمسين ألف سنة ، وهذا معنى قول مجاهد.
قوله عزوجل : (فَاصْبِرْ) أي : اصبر على تكذيبهم إيّاك (صَبْراً جَمِيلاً) لا جزع فيه ، وهذا قبل أن يؤمر بقتالهم ، ثم نسخ بآية السيف ، (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ) يعني : العذاب (بَعِيداً) غير كائن (وَنَراهُ قَرِيباً) كائنا ، لأنّ كلّ ما هو آت قريب. ثم أخبر متى يكون فقال عزوجل : (يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ) وقد شرحناه في الكهف (١) (وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ) أي : كالصّوف ، فشبّهها في ضعفها ولينها بالصّوف. وقيل : شبّهها به في خفّتها وسيرها ، لأنه قد نقل أنها تسير على صورها ، وهي كالهباء. قال الزّجّاج : «العهن» الصّوف. واحدته : عهنة ، ويقال : عهنة ، وعهن ، مثل : صوفة ، وصوف. وقال ابن قتيبة : «العهن» الصّوف المصبوغ.
قوله عزوجل : (وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (١٠)) قرأ الأكثرون : «يسأل» بفتح الياء. والمعنى : لا يسأل قريب عن قرابته ، لاشتغاله بنفسه. وقال مقاتل : لا يسأل الرجل عن قرابته ، ولا يكلّمه من شدّة الأهوال. وقرأ معاوية ، وأبو رزين ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وعكرمة ، وابن محيصن ، وابن أبي عبلة ، وأبو جعفر بضمّ الياء. والمعنى : لا يقال للحميم : أين حميمك؟
قوله عزوجل : (يُبَصَّرُونَهُمْ) أي : يعرّف الحميم حميمه حتى يعرفه ، وهو مع ذلك لا يسأل عن شأنه ، ولا يكلّمه اشتغالا بنفسه. يقال : بصّرت زيدا كذا : إذا عرّفته إيّاه. قال ابن قتيبة : معنى الآية : لا يسأل ذو قرابة عن قرابته ، ولكنهم يبصّرونهم ، أي : يعرّفونهم. وقرأ قتادة ، وأبو المتوكّل ، وأبو عمران «يبصرونهم» بإسكان الباء ، وتخفيف الصاد ، وكسرها.
قوله عزوجل : (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ) يعني : يتمنّى المشرك لو قبل منه هذا الفداء (يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ) وهي الزّوجة (وَفَصِيلَتِهِ) قال ابن قتيبة : أي : عشيرته. وقال الزّجّاج : هي أدنى قبيلته منه. ومعنى (تُؤْوِيهِ) تضمّه ، فيودّ أن يفتدي بهذه المذكورات (ثُمَّ يُنْجِيهِ) من ذلك الفداء (كَلَّا) لا ينجيه ذلك (إِنَّها لَظى) قال الفرّاء هو اسم من أسماء جهنّم فلذلك لم يجر لها ذكر (٢) ، وقال غيره : معناها في اللغة : اللهب الخالص ، وقال ابن الأنباري : سمّيت لظى لشدة توقّدها وتلهّبها ، يقال : هو يتلظّى ، أي : يتلهّب ويتوقّد. وكذلك النار تتلظّى يراد به هذا المعنى. وأنشدوا :
|
جحيما تلظّى لا تفتّر ساعة |
|
ولا الحرّ منها غابر الدّهر يبرد |
(نَزَّاعَةً لِلشَّوى) قرأ الجمهور «نزّاعة للشوى» بالرفع على معنى : هي نزّاعة. وقرأ عمر بن الخطّاب ، وأبو رزين ، وابن عبد الرّحمن ، ومجاهد ، وعكرمة ، وابن أبي عبلة ، وحفص عن عاصم «نزّاعة» بالنصب. قال الزّجّاج : وهذا على أنها حال مؤكّدة ، كما قال تعالى : (هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً) ويجوز أن ينصب على معنى «إنها تتلظى نزاعة». وفي المراد ب الشّوى أربعة أقوال : أحدها : جلدة الرأس ، قاله مجاهد. والثاني : محاسن الوجه ، قاله الحسن ، وأبو العالية. والثالث : العصب ، والعقب ، قاله ابن جبير. والرابع : الأطراف : اليدان ، والرّجلان ، والرأس ، قاله الفرّاء ، والزّجّاج.
قوله عزوجل : (تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ) عن الإيمان (وَتَوَلَّى) عن الحق. قال المفسّرون : تقول : إليّ يا
__________________
(١) الكهف : ٢٩.
(٢) فاطر : ٣١.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
