والثاني : أنه الذي يعرف بالشّرّ ، كما تعرف الشاة بزنمتها ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثالث : أنه الذي له زنمة مثل زنمة الشاة. وقال ابن عباس : نعت فلم يعرف حتى قيل : زنيم ، فعرف ، وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها. ولا يعلم أنّ الله تعالى بلغ من ذكر عيوب أحد ما بلغه من ذكر عيوب الوليد ، لأنه وصف بالحلف ، والمهانة ، والعيب للناس ، والمشي بالنّميمة ، والبخل ، والظلم ، والإثم ، والجفاء ، والدّعوة ، فألحق به عارا لا يفارقه في الدنيا والآخرة ، قال الزّجّاج : والزّنمتان : المعلقتان عند حلوق المعزى. وقال ابن فارس : هي التي تتعلّق من أذنها. والرابع : أنه الظلوم ، رواه الوالبيّ عن ابن عباس.
قوله عزوجل : (أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، والكسائيّ ، وحفص عن عاصم : «أن كان» على الخبر ، أي : لأن كان. والمعنى لا تطعه لماله وبنيه. وقرأ ابن عباس بهمزتين ، الأولى : مخففة. والثانية : ملينة ، وفصل بينهما بألف أبو جعفر. وقرأ حمزة : «أأن كان» بهمزتين مخففتين على الاستفهام ، وله وجهان : أحدهما : ألأن كان ذا مال تطيعه؟ ـ! والثاني : ألأن كان ذا مال وبنين؟! (إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا) يكفر بها؟ فيقول : (أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) ذكر القولين الفرّاء. وقرأ ابن مسعود : «أن كان» بهمزة واحدة مقصورة. ثم أوعده فقال عزوجل : (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ) الخرطوم : الأنف. وفي هذه السّمة ثلاثة أقوال : أحدها : سنسمه بالسيف ، فنجعل ذلك علامة باقية على أنفه ما عاش ، فقاتل يوم بدر فخطم بالسيف ، قاله ابن عباس. والثاني : سنلحق به شيئا لا يفارقه ، قاله قتادة ، واختاره ابن قتيبة. والثالث : أنّ المعنى : سنسوّد وجهه. قال الفرّاء : و«الخرطوم» وإن كان قد خصّ بالسّمة ، فإنه في مذهب الوجه ، لأنّ بعض الوجه يؤدّي عن البعض. وقال الزّجّاج : سنجعل له في الآخرة العلم الذي يعرف به أهل النّار من اسوداد وجوههم. وجائز ـ والله أعلم ـ أن يفرد بسمة لمبالغته في عداوته لرسول الله صلىاللهعليهوسلم يتبيّن بها عن غيره.
(إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٤١))
قوله عزوجل : (إِنَّا بَلَوْناهُمْ) يعني : أهل مكّة ، أي : ابتليناهم بالجوع ، والقحط (كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ) حين هلكت جنّتهم.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
