سورة الجمعة
وهي مدنية كلّها بإجماعهم وقد سبق شرح فاتحتها (١). وقرأ أبو الدّرداء ، وأبو عبد الرّحمن السّلميّ ، وعكرمة ، والنّخعيّ ، والوليد عن يعقوب (الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) بالرفع فيهن.
فإن قيل : فما الفائدة في إعادة ذكر التسبيح في هذه السورة؟
فالجواب : أنّ ذلك لاستفتاح السّور بتعظيم الله عزوجل ، كما تستفتح ب «بسم الله الرحمن الرحيم» وإذا جلّ المعنى في تعظيم الله ، حسن الاستفتاح به.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤))
قوله عزوجل : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ) يعني : العرب ، وكانوا لا يكتبون وقد شرحنا هذا المعنى في البقرة (٢) (رَسُولاً) يعني : محمّدا صلىاللهعليهوسلم (مِنْهُمْ) أي : من جنسهم ونسبهم.
فإن قيل : فما وجه الامتنان في أنه بعث نبيا أميّا (٣)؟ فعنه ثلاثة أجوبة : أحدها : لموافقة ما تقدّمت
__________________
(١) آل عمران : ٥٢.
(٢) البقرة : ٧٨.
(٣) قال ابن كثير رحمهالله في «تفسيره» ٤ / ٤٢٨ : الأميون هم العرب ، وتخصيص الأميين بالذكر لا ينفي من عداهم ، لكن المنة عليهم أبلغ وآكد ، كما قال تعالى : (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) وهو ذكر لغيرهم يتذكرون به ، وكذا قوله : (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) وهذا وأمثاله لا ينافي قوله تعالى : (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) ، وقوله (لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ). وهذه الآية هي مصداق إجابة الله لخليله إبراهيم ، حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. فبعثه الله سبحانه وتعالى على حين فترة من الرسل ، وطموس من السبل ، وقد اشتدت الحاجة إليه ، وقد مقت الله أهل الأرض عربهم وعجمهم ، إلا بقايا من أهل الكتاب ، أي نذرا يسيرا ـ ممن تمسّك بما بعث الله به عيسى ابن مريم عليهالسلام.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
