كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ) هذا شرط ، جوابه متقدّم ، وفي الكلام تقديم وتأخير. قال الزّجّاج : معنى الآية : إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي فلا تتّخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء.
قوله عزوجل : (تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) الباء في «المودّة» حكمها حكم الأولى. قال المفسّرون : والمعنى : تسرّون إليهم النّصيحة (وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ) من المودّة للكفّار (وَما أَعْلَنْتُمْ) أي : أظهرتم بألسنتكم. وقال ابن قتيبة : المعنى : كيف تستترون بمودّتكم لهم مني وأنا أعلم بما تضمرون وما تظهرون؟!
قوله عزوجل : (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ) يعني : الإسرار والإلقاء إليهم (فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) أي : أخطأ طريق الهدى. ثم أخبر بعداوة الكفّار فقال عزوجل : (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ) أي : يظفروا بكم (يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً) لا موالين (وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ) بالضرب والقتل (وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ) وهو : الشّتم (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) فترجعون إلى دينهم. والمعنى : أنه لا ينفعكم التقرّب إليهم بنقل أخبار رسول الله صلىاللهعليهوسلم.
قوله عزوجل : (لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ) أي : قراباتكم. والمعنى : ذوو أرحامكم ، أراد : لن ينفعكم الذين عصيتم الله لأجلهم ، (يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ) قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو : «يفصل» برفع الياء ، وتسكين الفاء ، ونصب الصاد. وقرأ ابن عامر : «يفصّل بينكم» برفع الياء ، والتشديد ، وفتح الصاد ، وافقه حمزة ، والكسائيّ ، وخلف ، إلا أنهم كسروا الصاد. وقرأ عاصم ، غير المفضّل ، ويعقوب ، بفتح الياء وسكون الفاء وكسر الصاد ، وتخفيفها. وقرأ أبيّ بن كعب ، وابن عباس ، وأبو العالية : «نفصّل» بنون مرفوعة ، وفتح الفاء ، مكسورة الصاد مشدّدة ، وقرأ أبو رزين ، وعكرمة ، والضّحّاك : «نفصل» بنون مفتوحة ، ساكنة الفاء ، مكسورة الصاد خفيفة ، أي : نفصل بين المؤمن والكافر وإن كان ولده. قال القاضي أبو يعلى (١) : في هذه القصة دلالة على أنّ الخوف على المال والولد لا يبيح التّقيّة في إظهار الكفر ، كما يبيح في الخوف على النّفس ، ويبين ذلك أنّ الله تعالى فرض الهجرة ، ولم يعذرهم في التخلّف لأجل أموالهم وأولادهم. وإنما ظنّ حاطب أنّ ذلك يجوز له ليدفع به عن ولده كما يجوز له أن يدفع عن نفسه بمثل ذلك عند التّقيّة ، وإنما قال عمر : دعني أضرب عنق هذا المنافق لأنه ظنّ أنه فعل ذلك عن غير تأويل.
(قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ
__________________
(١) قال ابن كثير رحمهالله في «تفسيره» ٤ / ٤٠٩ : فقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِ) يعني المشركين والكفار الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين الذين شرع الله عداوتهم ومصارمتهم ، ونهى أن يتّخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء ، كما قال : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) وهذا تهديد شديد ، ووعيد أكيد ، وقال تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) وقال تعالى : (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) ، ولهذا قبل رسول الله صلىاللهعليهوسلم عذر حاطب لما ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش ، لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
