واللّيل والنّهار ، والحلو والمرّ ، والنّور والظّلمة ، وأشباه ذلك (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) فتعلموا أنّ خالق الأزواج واحد. (فَفِرُّوا إِلَى اللهِ) بالتّوبة من ذنوبكم ؛ والمعنى : اهربوا ممّا يوجب العقاب من الكفر والعصيان إلى ما يوجب الثّواب من الطّاعة والإيمان.
(كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠))
قوله تعالى : (كَذلِكَ) أي : كما كذّبك قومك وقالوا : ساحر أو مجنون ؛ كانوا من قبلك يقولون للأنبياء. قوله تعالى : (أَتَواصَوْا بِهِ) أي : أوصى أوّلهم آخرهم بالتّكذيب؟ ، وهذا استفهام توبيخ. وقال أبو عبيدة : أتواطئوا عليه فأخذه بعضهم من بعض؟!. قوله تعالى : (بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ) أي : يحملهم الطّغيان فيا أعطوا من الدّنيا على التّكذيب ؛ والمشار إليهم أهل مكّة. (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) فقد بلّغتهم (فَما أَنْتَ) عليهم (بِمَلُومٍ) لأنّك قد أدّيت الرّسالة. ومذهب أكثر المفسّرين أنّ هذه الآية منسوخة ولهم في ناسخها قولان : أحدهما : أنه قوله : (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ). والثاني : آية السّيف. وفي قوله : «وذكّر» قولان : أحدهما : عظ ، قاله مقاتل. والثاني : ذكّرهم بأيّام الله وعذابه ورحمته ، قاله الزّجّاج.
قوله تعالى : (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) أثبت الياء في «يعبدون» و«يطعمون» و«لا يستعجلون» في الحالين يعقوب. واختلفوا في هذه الآية على أربعة أقوال : أحدها : إلّا لآمرهم أن يعبدوني ، قاله عليّ بن أبي طالب ، واختاره الزّجّاج. والثاني : إلّا ليقرّوا بالعبودية طوعا وكرها ، قاله ابن عباس ؛ وبيان هذا قوله : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ) (١). والثالث : أنه خاصّ في حقّ المؤمنين. قال سعيد بن المسيّب : ما خلقت من يعبدني إلّا ليعبدني. وقال الضّحّاك والفرّاء وابن قتيبة : هذا خاصّ لأهل طاعته ، وهذا اختيار القاضي أبي يعلى فإنه قال : معنى هذا الخصوص لا العموم ، لأنّ البله والأطفال والمجانين لا يدخلون تحت الخطاب وإن كانوا من الإنس ؛ فكذلك الكفّار يخرجون من هذا بدليل قوله : (وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) (٢) ، فمن خلق للشّقاء ولجهنّم لم يخلق للعبادة. والرابع : إلّا ليخضعوا إليّ ويتذلّلوا ، ومعنى العبادة في اللغة : الذّلّ والانقياد. وكلّ الخلق خاضع ذليل لقضاء الله عزوجل ، لا يملك خروجا عمّا قضاه الله عزوجل ، هذا مذهب جماعة من أهل المعاني.
قوله تعالى : (ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ) أي : ما أريد أن يرزقوا أنفسهم (وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) أي أن يطعموا أحدا من خلقي ، لأني أنا الرّزّاق. وإنما أسند الإطعام إلى نفسه ، لأنّ الخلق عيال الله ، ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه.
__________________
(١) الزخرف : ٨٧.
(٢) الأعراف : ١٧٩.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
