وفي معنى هذا الخطاب ثلاثة أقوال : أحدها : أنه مخاطبة للواحد بلفظ الخطاب للاثنين ، قال الفرّاء : والعرب تأمر الواحد والقوم بأمر الاثنين ، فيقولون للرجل : ويلك ارحلاها وازجراها ، سمعتها من العرب ، وأنشدني بعضهم :
|
فقلت لصاحبي لا تحبسانا |
|
بنزع أصوله واجتزّ شيحا (١) |
وأنشدني أبو ثروان :
|
فإن تزجراني يا ابن عفّان أنزجر |
|
وإن تدعاني أحم عرضا ممنّعا |
ونرى أنّ ذلك منهم ، لأنّ أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه اثنان ، وكذلك الرّفقة أدنى ما تكون ثلاثة ، فجرى الكلام على صاحبيه ، ألا ترى الشّعر أكثر شيء قيلا : يا صاحبيّ ويا خليليّ. قال امرؤ القيس :
|
خليليّ مرّا بي على أمّ جندب |
|
نقضّي لبانات الفؤاد المعذّب (٢) |
ثم قال :
|
ألم تر أنّي كلّما جئت طارقا |
|
وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب |
فرجع إلى الواحد ، وأول كلامه اثنان ، وإلى هذا المعنى ذهب مقاتل ، وقال : «ألقيا» خطاب للخازن ، يعني خازن النّار. والثاني : أنه فعل ثنّي توكيدا ، كأنه لمّا قال : «ألقيا» ، ناب عن ألق ألق ، وكذلك : قفا نبك ، معناه : قف قف ، فلمّا ناب عن فعلين ، ثنّي ، قاله المبرّد. والثالث : أنه أمر للملكين ، يعني السّائق والشّهيد ، وهذا اختيار الزّجّاج. فأمّا «الكفّار» ، فهو أشدّ مبالغة من الكافر. و«العنيد» قد فسّرناه في هود (٣).
قوله تعالى : (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ) في المراد بالخير هاهنا ثلاثة أقوال : أحدها : الزكاة المفروضة ، قاله قتادة. والثاني : أنه الإسلام ، يمنع الناس من الدّخول فيه ، قاله الضّحّاك ، ومقاتل ، وذكر أنها نزلت في الوليد بن المغيرة ، منع بني أخيه عن الإسلام. والثالث : أنه عامّ في كلّ خير من قول أو فعل ، حكاه الماوردي. قوله تعالى : (مُعْتَدٍ) أي : ظالم لا يقرّ بالتوحيد (مُرِيبٍ) أي : شاكّ في الحقّ ، من قولهم : أراب الرّجل : إذا صار ذا ريب. قوله تعالى : (قالَ قَرِينُهُ) فيه قولان : أحدهما : شيطانه ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والجمهور. وفي الكلام اختصار تقديره : إنّ الإنسان ادّعى على قرينه من الشياطين أنه أضلّه فقال : (رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ) أي لم يكن لي قوّة على إضلاله بالإكراه ، وإنما طغى هو بضلاله. والثاني : أنه الملك الذي كان يكتب السّيّئات. ثم فيما يدّعيه الكافر على الملك قولان : أحدهما : أنه يقول : زاد عليّ فيما كتب ، فيقول الملك : ما أطغيته ، أي ما زدت عليه ، قاله سعيد بن جبير. والثاني : أنه يقول : كان يعجلني عن التّوبة ، فيقول : ربّنا ما أطغيته ، هذا قول الفرّاء.
قوله تعالى : (وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) أي : بعيد من الهدى ، فيقول الله تعالى : (لا تَخْتَصِمُوا
__________________
(١) البيت لمضرس بن ربعي الأسدي وهو في «مشكل القرآن» ٢٢٤ و«اللسان» جزز.
واجتزّ : قطع ، والشيح : نبت سهلي من الفصيلة المركبة وهو كثير الأنواع ترعاه الماشية.
(٢) في «المعجم الوسيط» اللبان : جمع اللبانة : الحاجة من غير فاقة ولكن من نهمة.
(٣) هود : ٥٩.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
