(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) أي : صفتها ، وقد شرحناه في الرّعد (١). و«المتّقون» عند المفسّرين : الذين يتّقون الشّرك. و«الآسن» المتغيّر الرّيح ، قاله أبو عبيدة ، والزّجّاج. وقال ابن قتيبة : هو المتغيّر الرّيح والطّعم ، و«الآجن» نحوه. وقرأ ابن كثير : «غير أسن» بغير مدّ. وقد شرحنا قوله : (لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) في الصّافّات (٢) : قوله تعالى : (مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى) أي : من عسل ليس فيه عكر ولا كدر كعسل أهل الدنيا. قوله تعالى : (كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ) قال الفرّاء : أراد : من كان في هذا النّعيم ، كمن هو خالد في النّار؟!. قوله تعالى : (ماءً حَمِيماً) أي : حارّا شديد الحرارة. و«الأمعاء» جميع ما في البطن من الحوايا.
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨))
قوله تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) يعني المنافقين. وفيما يستمعون قولان : أحدهما : أنه سماع خطبة رسول صلىاللهعليهوسلم يوم الجمعة. والثاني : سماع قوله على عموم الأوقات. فأمّا الذين (أُوتُوا الْعِلْمَ) ، فالمراد بهم : علماء الصحابة.
قوله تعالى : (ما ذا قالَ آنِفاً) قال الزّجّاج : أي : ماذا قال السّاعة ، وهو من قولك : استأنفت الشيء : إذا ابتدأته ، وروضة أنف : لم ترع ، أي : لها أوّل يرعى ؛ فالمعنى : ماذا قال في أوّل وقت يقرب منّا. وحدّثنا عن أبي عمر غلام ثعلب أنه قال : «آنفا» مذ ساعة. وقرأ ابن كثير ، في بعض الرّوايات عنه : «أنفا» بالقصر ، وهذه قراءة عكرمة ، وحميد ، وابن محيصن. قال أبو عليّ : يجوز أن يكون ابن كثير توهّم ، مثل حاذر وحذر ، وفاكه وفكه. وفي استفهامهم قولان : أحدهما : لأنهم لم يعقلوا ما يقول ، ويدلّ عليه باقي الآية. والثاني : أنهم قالوه استهزاء.
قوله تعالى : (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا) فيهم قولان : أحدهما : أنهم المسلمون ، قاله الجمهور. والثاني : قوم من أهل الكتاب كانوا على الإيمان بأنبيائهم وبمحمّد صلىاللهعليهوسلم ، فلمّا بعث محمّد صلىاللهعليهوسلم آمنوا به ، قاله عكرمة. وفي الذي زادهم ثلاثة أقوال : أحدها : أنه الله عزوجل. والثاني : قول الرّسول. والثالث : استهزاء المنافقين زاد المؤمنين هدى ، ذكرهنّ الزّجّاج. وفي معنى الهدى قولان : أحدهما : أنه العلم. والثاني : البصيرة. وفي قوله : (وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ) ثلاثة أقوال : أحدها : ثواب تقواهم في الآخرة ، قاله السّدّيّ. والثاني : اتّقاء المنسوخ والعمل بالنّاسخ ، قاله عطيّة. والثالث : أعطاهم التقوى مع الهدى ، فاتّقوا معصيته خوفا من عقوبته ، قاله أبو سليمان الدّمشقي. و (يَنْظُرُونَ) بمعنى ينتظرون ، (أَنْ تَأْتِيَهُمْ) وقرأ أبيّ بن كعب ، وأبو الأشهب ، وحميد : «إن تأتهم» بكسر الهمزة من غير ياء بعد التاء. والأشراط : العلامات ؛ قال أبو عبيدة : الأشراط : الأعلام ، وإنما سمّي الشّرط ـ فيما ترى ـ لأنهم أعلموا أنفسهم. قال المفسّرون : ظهور النبيّ صلىاللهعليهوسلم من أشراط الساعة ، وانشقاق القمر والدّخان وغير ذلك. (فَأَنَّى لَهُمْ)
__________________
(١) الرعد : ٣٥.
(٢) الصافات : ٤٦.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
