أنّ الكفّار قالوا : لو كان دين محمّد خيرا ما سبقنا إليه اليهود ، فنزلت هذه الآية ، قاله مسروق (١). والثاني : أنّ امرأة ضعيفة البصر أسلمت ، وكان الأشراف من قريش يهزئون بها ويقولون : والله لو كان ما جاء به محمّد خيرا ما سبقتنا هذه إليه ، فنزلت هذه الآية ، قاله أبو الزّناد (٢). والثالث : أنّ أبا ذرّ الغفاري أسلم واستجاب به قومه إلى الإسلام ، فقالت قريش : لو كان خيرا ما سبقونا إليه ، فنزلت هذه الآية ، قاله أبو المتوكّل (٣). والرابع : أنه لمّا اهتدت مزينة وجهينة وأسلمت ، قالت أسد وغطفان : لو كان خيرا ما سبقنا إليه رعاء الشّاء ، يعنون مزينة وجهينة ، فنزلت هذه الآية ، قاله ابن السّائب (٤). والخامس : أنّ اليهود قالوا : لو كان دين محمّد خيرا ما سبقتمونا إليه ، لأنه لا علم لكم بذلك ، ولو كان حقّا لدخلنا فيه ، ذكره أبو سليمان الدّمشقي وقال : هو قول من يقول : إنّ الآية نزلت بالمدينة ؛ ومن قال : هي مكّيّة ، قال : هو قول المشركين. فقد خرج في «الذين كفروا» قولان : أحدهما : أنهم المشركون. والثاني : اليهود.
وقوله : (لَوْ كانَ خَيْراً) أي : لو كان دين محمّد خيرا (ما سَبَقُونا إِلَيْهِ). فمن قال : هم المشركون ، قال : أرادوا : إنّا أعزّ وأفضل ؛ ومن قال : هم اليهود ، قال : أرادوا : لأنّا أعلم.
قوله تعالى : (وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ) أي : بالقرآن (فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ) أي : كذب متقدّم ، يعنون أساطير الأوّلين. (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى) أي : من قبل القرآن التّوراة. وفي الكلام محذوف ، تقديره : فلم يهتدوا ، لأن المشركين لم يهتدوا بالتّوراة. (إِماماً) قال الزّجّاج : هو منصوب على الحال (وَرَحْمَةً) عطف عليه (وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ) المعنى : مصدّق للتّوراة (لِساناً عَرَبِيًّا) منصوب على الحال ؛ المعنى : مصدّق لما بين يديه عربيّا ؛ وذكر «لسانا» توكيدا ، كما تقول : جاءني زيد رجلا صالحا ، تريد : جاءني زيد صالحا.
قوله تعالى : (لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) قرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائيّ : «لينذر» بالياء. وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب : «لتنذر» بالتاء. وعن ابن كثير كالقراءتين. «والذين ظلموا» المشركون (وَبُشْرى) أي وهو بشرى (لِلْمُحْسِنِينَ) وهم الموحّدون يبشّرهم بالجنّة.
وما بعد هذا قد تقدّم تفسيره (٥) إلى قوله : (بِوالِدَيْهِ حُسْناً) وقرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائيّ :
__________________
ذلك غلطا فاحشا ، وأخطئوا خطأ بينا ، كما قال تعالى : (وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا) أي : يتعجبون كيف اهتدى هؤلاء دوننا ولهذا قالوا : (لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ) ، وأما أهل السنة والجماعة فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة : هو بدعة ، لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه ، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها.
(١) عزاه المصنف لمسروق : ولم أقف على إسناده ، وهو مرسل.
ـ وأخرج الطبري ٣١٢٦١ عن قتادة نحوه وليس فيه ذكر اليهود وإنما بنو فلان.
(٢) قال السيوطي في «الدر» ٦ / ٨ : أخرج ابن المنذر عن عون بن شداد قال كان لعمر أمة أسلمت قبله ، يقال لها زيزة ... فذكره بنحوه وعزاه المصنف لأبي الزناد ، ولم أقف عليه.
(٣) عزاه المصنف لأبي المتوكل ، واسمه علي بن دؤاد ، وهو في عداد التابعين ، فالخبر مرسل ، ولم أقف على إسناده.
(٤) عزاه المصنف لابن السائب الكلبي ، وهو متروك متهم بالكذب.
(٥) فصلت : ٣٠.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
