سورة الأحقاف
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤))
فصل في نزولها (١) : روى العوفيّ وابن أبي طلحة عن ابن عباس أنها مكيّة ، وبه قال الحسن ، ومجاهد ، وعكرمة ، وقتادة ، والجمهور. وروي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا : فيها آية مدنيّة ، وهي قوله : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ) (٢). وقال مقاتل : نزلت بمكّة غير آيتين : قوله : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ) ، وقوله : (فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) (٣). نزلتا بالمدينة.
وقد تقدّم تفسير فاتحتها (٤) إلى قوله : (وَأَجَلٍ مُسَمًّى) وهو أجل فناء السّموات والأرض ، وهو يوم القيامة. قوله تعالى : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ) مفسّر في فاطر (٥) إلى قوله : (ائْتُونِي بِكِتابٍ) (٦) ، وفي الآية اختصار ، تقديره : فإن ادّعوا أنّ شيئا من المخلوقات صنعة آلهتهم ، فقل لهم : ائتوني بكتاب (مِنْ قَبْلِ هذا) أي : من قبل القرآن فيه برهان ما تدّعون من أنّ الأصنام شركاء الله ، (أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) وفيه ثلاثة أقوال (٧) : أحدها : أنه الشيء يثيره مستخرجه ، قاله الحسن. والثاني : بقيّة من علم تؤثر عن
__________________
(١) سورة الأحقاف مكية في قول جميعهم ، كما في «تفسير القرطبي» ١٦ / ١٥٤ و«تفسير ابن كثير» ٤ / ١٨٢ ، و«تفسير الشوكاني» ٥ / ١٦.
(٢) الأحقاف : ١٠.
(٣) الأحقاف : ٣٥.
(٤) المؤمن : ١ ـ ٢.
(٥) فاطر : ٤٠.
(٦) قال ابن العربي في «أحكام القرآن» ٤ / ١٢٤ : وهي أشرف آية في القرآن ، فإنها استوفت أدلة الشرع عقليها وسمعيّها ، لقوله تعالى : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ) فهذه بيان لأدلة العقل المتعلقة بالتوحيد ، وحدوث العالم ، وانفراد الباري سبحانه بالقدرة والعلم والوجود والخلق ، ثم قال : (ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا) على ما تقولون وهذه بيان لأدلة السمع فإن مدرك الحقّ إنما يكون بدليل العقل أو بدليل الشرع حسبما بيناه من مراتب الأدلة في كتب الأصول.
(٧) قال الطبري رحمهالله في «تفسيره» ١١ / ٢٧٣ : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : الأثارة : البقية
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٤ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3360_zad-almasir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
