ومن هنا يتبين أن المكظوم ، «غير الكاظم .. فالكاظم ، هو الذي غلب غيظه وقهره ، وأما المكظوم ، فهو الذي ملكه الغيظ ، وقهره ، وغلبه على أمره ..
وعلى هذا ، فإن الذي يحذّر النبي منه ، هو ألا يغلبه الغيظ ، كما غلب يونس عليهالسلام ، بل المطلوب منه ، هو أن يكظم غيظه ، وأن يقهره ، وألا يجعل لهذا الغيظ سلطانا عليه ، يحمله على مفارقة قومه ، وإخلاء مكانه فيهم ، كما فعل يونس ..
وفى هذا يقول الحق تبارك وتعالى : (وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ .. وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (١٣٤ : آل عمران)
فقوله تعالى : (وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ) أي لا تكن كيونس إذ نادى ربه ، وقد غلبه الغيظ ، وحمله على أن يترك قومه ، وينزل فى هذا المكان الضيق ، وهو بطن الحوت.
فالذى يحذّر منه النبي ، ليس هو مناداة ربه ، وإنما مناداته فى حال يكون قد غلبه فيها غيظه .. فإن دعاء الله ، واللّجأ إليه ـ وإن كان محمودا على كل حال وفى كل حال ـ إنما يكون فى أحمد أحواله ، وأعلى مقاماته ، حين يكون صاحبه متجملا بالصبر على ما أصابه ، ممسكا بزمام نفسه ، ثقة بالله ، واطمئنانا إليه ، في أشد الأهوال ، وأعظم المحن ، فلا يضيق بمحنة ، ولا يكظم بشدة ، لأنه مسلم أمره إلى لله ، لا جىء إلى حمى سلطانه ..
قوله تعالى :
* (لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ* فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) أي أن يونس ـ عليهالسلام ـ لولا أن أدركته نعمة
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١٥ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3358_altafsir-alqurani-lilquran-15%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
