المفسرون يكادون يكونون على إجماع بأن هذه الآية ناسخة للآية التي قبلها .. بمعنى أن تقديم الصدقة من المؤمن الذي يودّ مناجاة الرسول ، قبل أن يدخل فى مناجاته ، والذي دعت إليه الآية السابقة ـ قد جاءت هذه الآية ناسخا له ، تخفيفا على الذين يودون مناجاة النبي.
ويقولون لتعليل هذا النسخ ، إنه لما نزل قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً) .. شقّ ذلك على كثير من المؤمنين ، وضنّ كثير من الأغنياء بأموالهم أن يخرجوا منها صدقة عند مناجاة الرسول ، وبهذا قلّت تلك الأعداد الكثيرة التي كانت تسعى إلى مناجاة النبي ، فنزلت الآية : (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ) فنسخت الآية التي قبلها ، وأبيح للمؤمنين مناجاة الرسول من غير صدقة يقدمونها بين يدى نجواهم!!
ونحن على رأينا من أنه لا نسخ فى القرآن ، وأنه لا نسخ فى هذه الآية بالذات .. وذلك من وجوه.
أولا : أن الصدقة التي دعى المؤمنون إلى تقديمها بين يدى نجواهم غير محددة المقدار ، ومن هنا كانت أىّ صدقة يقدمها المؤمن فى هذا المقام مجزية له ، ولو كانت شقّ تمرة .. وإذن فليس فى هذه الصدقة ما يشق على المؤمنين ، حتى يجىء الأمر بنسخ تقديم هذه الصدقة.
وثانيا : ليس ما جاءت به الآية من الأمر بتقديم الصدقة ـ والله أعلم ـ أمرا ملزما ، يقع موقع الوجوب ، بل هو أمر للندب والاستحباب ، ولذلك علّل له بقوله تعالى : (ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ) .. ثم جاءت المجاوزة عنه عند عدم وجود الصدقة : (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١٤ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3357_altafsir-alqurani-lilquran-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
