منهم من يجتزىء من هذه المائدة بلقمة هنا ، ولقمة هناك ، ثم إذا به وقد رفع يده عن كل ما على المائدة ، وقطع شهوته عن كل ما يشتهى منها ..
وكلا الرجلين ، قد أخذ حاجته ، واستوفى حظه ، ولم يبق له شىء يطلبه من هذه المائدة .. ومع هذا ، فإن استمتاع الأول بهذا الطعام هو أضعاف لذة صاحبه ، حجما ، وعمقا .. دون أن يشعر أىّ منهما أنه فى حاجة إلى مزيد!.
هذا ، فى لذات الدنيا ، ونعيمها ، وهى ـ كما قلنا ـ لذات تنقطع عند أخذ المرء حاجته منها ، ثم تتحول إلى آلام إذا هو جاوز بها هذا الحد .. أما لذات النعيم فى الآخرة ، فهى لذات لا تنقطع أبدا ، ولا يملّها المتصل بها مادام آخذا منها .. ولكن كلّ يأخذ بقدر ما تتسع له طاقته التي تتناسب مع منزلته ..
وعلى هذا ، فإن أهل الجنة جميعا فى نعيم مقيم ، وفى لذة دائمة مع هذا النعيم .. ولكن كلّ له من النعيم ما يشتهيه ، وله من الاشتهاء ما يناسبه ..! فهم فى جنة واحدة ، ولكل منهم فى هذه الجنة جنته ، وما يشتهيه .. أشبه شىء بما فى الغابة من مختلف الأحياء التي تعيش فيها .. بعضها يأكل من ورقها ، وبعضها يأكل من ثمرها ، وبعضها يقتات من أعشابها .. وبعضها يتنقل بين أفنانها ، وبعضها يأوى إلى أجحارها .. وكلها هانىء بحياته ، سعيد بعيشه مع الطبيعة التي لبسته ..
وكذلك الشأن فى أصحاب النار .. تتسع آلامهم وتضيق ، كل حسب طبيعته التي يكون عليها ، والتي هى صورة من عمله!.
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١٤ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3357_altafsir-alqurani-lilquran-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
