أما عند الموسيقىّ ، فإنه يجد نفسه ، وهو يتلو هذه الآيات إنما يتلقى درسا علويا من ينابيع الموسيقى السماوية ، فيستفتح اللحن بكلمة «الرحمن» فيعطيها كل ما يمتلىء به صدره من أنفاس الحياة .. ثم يعود فيوزع أنفاسه بين كلمتين ، كلمتين ، ثم بين ثلاث ثلاث ، ثم بين أربع أربع ، ثم بين ست كلمات ، هى آخر ما يمكن أن يمتد إليه النفس غالبا. ثم يعود ليلتقط أنفاسه ، فيوزّعها بين ثلاث كلمات .. ثم يأخذ نفسه مرة أخرى ليوزعه على خمس كلمات ..
وهنا يكون النفس قد توازن ، وانضبط على حدود معينة ، بين ثلاث كلمات ، وخمس كلمات ، فتلقاه الآية التي ستكرر على امتداد السورة ، (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) .. وهى من أربع كلمات ، هى وسط بين الثلاث ، والخمس!!
* * *
هذا قليل من كثير لا نهاية له ، مما يجده الناظر فى نظم هذا المقطع ، الذي بدئت به السورة ، والذي جاءت عليه السورة كلها ..
أما المعنى الذي وراء هذا النظم ، فهو أروع وأعجب .. إنه جامعة معارف ، وبحار لآلئ ودرر ، لا تزال أبد الدهر تغرى الطالبين لها ، الغواصين فى بحارها ، ليملئوا أيديهم منها ، ويزينوا جيد الزمن بما ينظمون من جواهرها .. وها نحن أولاء نمدّ أبدينا إلى ما يفضل به الله تعالى علينا من فيض كرمه وإحسانه ..
قوله تعالى :
(الرَّحْمنُ)
هو الله سبحانه وتعالى ، المتجلّى بتلك الصفة من صفاته الكريمة ،
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١٤ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3357_altafsir-alqurani-lilquran-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
