والمثل لهذا ما يذكره المسلمون من يوم أحد ، وقد أكرهوا النبىّ على الخروج من المدينة ، للقاء المشركين ، وكان من رأيه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أن يتحصّن بها ، فإن دخلها عليه المشركون قاتلهم المسلمون ، وقاتل معهم الصبيان والنساء ، وكانت الدور حصونا لهم .. وقد خرج النبىّ بالمسلمين إلى أحد ، على غير رضا ، وكان الذي حدث!
ومثل آخر ، يذكره المسلمون من يوم الحديبية ، فلو أن الرسول استجاب لما كان يراه المسلمون يومئذ من قتال المشركين ، حتى يتمكنوا من دخول مكة ، والطواف بالمسجد الحرام ـ لو أن الرسول فعل هذا وكان قتال بينهم وبين المشركين ، لسالت دماء غزيرة ، ولذهبت نفوس كريمة من المؤمنين وربما كانت الدائرة عليهم .. وهاهم أولاء يرون أن الطريق إلى البيت الحرام قد صار مفتوحا لهم من غير قتال ، وأنهم قد غنموا خيبر أيضا ، إلى جانب هذا الفتح الذي لم ترق فيه دماء ، ولم تذهب فيه أرواح!
قوله تعالى : (وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ).
أي ولكنكم أيها المسلمون لم تخالفوا رسول الله ، ولم تخرجوا عن أمره ، إذ قد حبّب الله سبحانه وتعالى إليكم الإيمان وزيّنه فى قلوبكم ، وبهذا الحبّ للإيمان ، والولاء لجماله وجلاله فى نفوسكم ، كنتم على طاعة وولاء لرسول الله ، لأن ذلك من ثمرات الإيمان الوثيق ، الذي تعلقت به القلوب ، وانتعشت به النفوس ، وذلك الإيمان الذي غرسه الله فى قلوبكم ، وحببه إليكم ، وزينه لكم ـ قد كرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان .. إذ لا يجتمع إيمان وكفر ، ولا يلتقى إيمان وفسوق عن أمر الله ورسوله ، وعصيان لله ورسوله ..
وقوله تعالى : (أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) .. إشارة إلى هؤلاء المؤمنين
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١٣ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3356_altafsir-alqurani-lilquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
