أمران لا ثالث لهما ، هما العلة التي جاء منها هذا البلاء الذي حلّ بهؤلاء الأشقياء المناكيد .. إما لأنهم لم يتدبروا القرآن ، ولم يحسنوا الإصغاء إليه ، والاتصال به ، والأخذ عنه .. وإما لأنهم تدبروا وأصغوا ، وحاولوا أن يتصلوا بالقرآن ، ولكن كانت قلوبهم مغلقة ، ومختوما عليها ، فلا ينفذ إليها شعاع من هدى أبدا ..
وسواء أكان هذا أو ذاك ، فإن الداء منهم ، وفيهم .. وليس من آيات الله ، ولا فى آيات الله .. فما فى آيات الله هدى ، وحق ونور .. وهذا مثل قوله تعالى : (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ) (٦٨ : المؤمنون) ..
ولا يصحّ أن يكون الاستفهام فى قوله تعالى : (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) للتحضيض ، يمعنى هلّا ، لأن التحضيض إنما يكون لمن يرجى منه إتيان ما يحضّ عليه ، وهؤلاء قد سبق الحكم عليهم بأن الله قد لعنهم فأصمهم وأعمى أبصارهم .. فكيف يدعون بعد هذا إلى تدبر القرآن؟
وفى قوله تعالى : (أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها) ـ جاء النظم على خلاف الظاهر ، وهو أن يجىء هكذا مثلا : أم على قلوبهم أقفال .. وبذلك يتحقق إضافة هذه القلوب إلى أهلها ، ونسبتها إلى أصحابها ، هؤلاء الذين لم يتدبروا القرآن .. فما سرّ هذا النظم القرآنى؟
نقول ـ والله أعلم ـ : إن من بعض أسرار هذا النظم :
أولا : فصل هذه القلوب عن أصحابها ، وذلك يحقق للقلوب وجودا ذاتيا مستقبلا ، فتقوم مقام أصحابها ، وهذا يعنى أن القلب هو الإنسان مختصرا ، وأنه السلطان القائم على كيان الإنسان ، فإذا أفسد القلب فسد الإنسان ،
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١٣ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3356_altafsir-alqurani-lilquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
