نُمَكِّنْ لَكُمْ) (٦ : الأنعام» ومع هذا فلم يغن عنهم ذلك شيئا ، ولم يردّ عنهم بأس الله إذ جاءهم .. فهل يغنى ما مع المشركين ـ وهو قليل إلى جانب ما كان بين يدى قوم عاد ـ هل يغنى عنهم ما معهم شيئا من عذاب الله؟ ..
ثم إن الله سبحانه وتعالى قد جعل لقوم عاد ، سمعا ، وأبصارا ، وأفئدة ، وهى نعم من نعم الله ، كان من الخير لهم أن يفيدوا منها ، وأن يرسلوها فى آفاق الوجود ، فتجىء إليهم بالهدى يكشف لهم معالم الطريق إلى كل خير .. ولكنهم عطلوا حواسهم تلك ، أو وجهوها إلى وجوه الشر والفساد ، فلم يجئهم منها إلا ما هو شر وفساد ..
وقوله تعالى : (إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ) ـ بيان العلة التي كان بسببها تعطيل هذه الحواس ، وتلك المدركات ، فلم تغن عن أصحابها شيئا ، ولم تجلب لهم أي نفع ، وهذه العلة هى ما كان فى كيان القوم من فساد ، بحيث أفسد كل شىء كانوا يستقبلونه من حواسهم ومدركاتهم .. إنهم كانوا على إصرار لما حملوا من كفر وضلال .. ولهذا كانوا كلما تأتيهم آية من آيات الله ، عن طريق سمعهم أو أبصارهم أو أفئدتهم ـ تغيرت معالمها ، وانقلبت حقيقتها فى كيانهم ، فرأوا النور ظلاما ، والهدى ضلالا ، والخير شرّا .. وهكذا النفوس الخبيثة ، يخبث فيها كل طيب ، ويعوّج على صفحتها كل مستقيم .. شأن المرايا المحدّبة ، أو المقعرة ، تتغير على صفحتها الصور الواقعة عليها ، وتتبدل حقائقها ..
وقوله تعالى : (وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) أي وأحاط بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به ، ويستعجلون وقوعه ، ويقولون لرسولهم فى استهزاء واستخفاف ، وتحدّ : (فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ).
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١٣ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3356_altafsir-alqurani-lilquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
