ففى ميلاده هذا الميلاد العجيب ، من غير أب ـ مثل شاهد على قدرة الله ، وعلى أنه سبحانه يخلق ما يشاء ، على غير مثال سبق من تلك المخلوقات ، التي تجرى على طريق الأسباب الظاهرة لنا .. فالله سبحانه وتعالى خالق الأسباب والمسببات جميعا ..
وفى هذا الميلاد العجيب ، الذي يبدو لنا من خلق عيسى عليهالسلام من غير أب ، إشارة دالة على أكثر من أمر ..
فأولا : أن صفة هذا الميلاد الذي يكاد ينفرد به عيسى من بين بنى الإنسان ؛ لا يصحّ أن يكون داعية لبعض الناس إلى عبادته ، وإلى رفعه عن مقام المخلوقين من مخلوقات الله .. فما هو إلا عبد من عباد الله ، وخلق من خلقه .. وأنه إذا كان قد ولد من غير أب ، فالإنسان ـ أصلا ـ خلق من غير أب وأم .. (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (٥٩ ؛ آل عمران) فعيسى وآدم عند الله على سواء .. كلاهما مخلوق لله .. سواء منهما من خلق ابتداء من غير أب ولا أم ، أو من خلق من أمّ دون أب ..
ومن هنا ، فلا يكون لأولئك الذين يعبدون عيسى ، ويجعلون له نسبة خاصة بالله ـ لا يكون لهم حجة يتخذونها من ميلاده الذي جاء على تلك الصفة ..
وأنه إذا كانت لهم حجة ، فهى من واردات الأوهام والضلالات ، كتلك الحجج التي يقيمها عبّاد الأحجار والأصنام والكواكب ، والملائكة على معبوداتهم .. فالذى يعبد الحجر لا يعدم أن يجد له منطقا يعبده عليه ، تماما كالذى يعبد الشمس ، أو القمر ، أو الملائكة ، أو الجن .. فكل
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١٣ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3356_altafsir-alqurani-lilquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
