الله ، وأبعدهم عن مواطن اللجأ إليه .. فإن المحن والشدائد ، هى التي تشدّ المرء إلى الله ، فيكثر من ذكره ، والغياث به .. والله سبحانه وتعالى يقول : (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (٦٣ : الأنعام) ويقول سبحانه (وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ) (٥١ : فصلت).
وإنه لمن الإيمان أن يذكر الإنسان ربّه في الضراء ، وأن يدعوه لما نزل به من مكروه ، إذ هو سبحانه وحده غياث المستغيثين ، وحمى اللاجئين ، وقد أمرنا سبحانه وتعالى أن ندعوه ، ووعدنا الإجابة لما ندعوه به ، فقال سبحانه : (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (٦٠ : غافر) وقال جلّ شأنه : (وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ) (١٨٦ : البقرة) .. ولكن الذي ليس من الإيمان في شىء ، بل هو من المكر بالله ، وآيات الله ، أن يذكر الإنسان ربه في الشدّة ، وينكره في الرخاء والعافية إن ذلك إيمان كإيمان فرعون حين أدركه الغرق ، فقال وقد ضاقت به سبل النجاة : «آمنت»! إن المؤمن حقّا هو الذي يملأ قلبه أبدا بذكر الله ، فى السرّاء والضرّاء على السواء .. فهو في السرّاء يذكر الله شاكرا نعمه ، مسبحا بحمده ، طالبا المزيد من فضله .. وهو في الضراء يذكر الله ، طالبا كشف الضرّ ، ورفع البلاء .. وهذا ما أشار إليه الرسول الكريم في قوله ، حين خيره ربه ، بين أن يكون ملكا نبيا ، أم عبدا رسولا ، فاختار أن يكون عبدا ، وقال : «بل أكون عبدا أشبع يوما فأشكرك ، وأجوع يوما فأذكرك» بل إن حقيقة الإيمان لا تنكشف إلا في مواقع النعم ، وفي مواطن الإحسان ، ولهذا مدح الله سبحانه وتعالى الشاكرين من عباده ، ونوّه بهم ، كما قال سبحانه فى نوح : (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ. إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً) (٣ : الإسراء)
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٩ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3351_altafsir-alqurani-lilquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
